يواجه قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر – الذي يضم نحو 2500 كيان وشركة – تدقيقًا متزايدًا بعد تحذيرات من كبار المصرفيين والمشرعين والاقتصاديين بشأن ما يصفه الكثيرون بـ”فقاعة ائتمانية استهلاكية” ناشئة، مدفوعة بممارسات إقراض مفرطة ومعايير فحص ائتماني ضعيفة.
وتشير تقديرات السوق إلى أن ما يقرب من 2500 جهة إقراض وصناديق تمويل ومقدمي خدمات تقسيط تعمل حاليًا في مصر بأشكال مختلفة، تتراوح بين الشركات الكبرى المرخصة وشبكات التمويل الأصغر حجمًا والمقرضين التابعين لقطاع التجزئة.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي سيعقد اجتماعًا طارئًا اليوم الأحد لمناقشة تداعيات التصريحات الأخيرة التي أدلى بها هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، بشأن المخاطر المتزايدة المرتبطة بالأنشطة المالية غير المصرفية والإقراض الاستهلاكي في مصر.
تحذير هشام عز العرب
وأثار عز العرب جدلًا واسعًا بعد تحذيره من التوسع السريع لبعض أنشطة التمويل غير المصرفي، مُشيرًا إلى أن العديد من الشركات تُقدم تسهيلات ائتمانية دون إجراء تقييمات كافية للجدارة الائتمانية أو فحوصات مناسبة لخلفية العملاء.
وحذّر من أن هذه الممارسات قد تُصبح “شرارة صغيرة قادرة على زعزعة استقرار السوق” وتُؤدي إلى تداعيات مالية أوسع في المستقبل.
بحسب عز العرب، فقد سارعت العديد من شركات التمويل الاستهلاكي بشكل ملحوظ في عمليات الإقراض خلال السنوات الأخيرة، معتمدةً على أهداف نمو طموحة قد تزيد بشكل حاد من مخاطر السوق إذا لم يتم تقييم قدرة المقترضين على السداد وفقًا لمعايير ائتمانية صارمة ومنضبطة
مخاوف الارتفاع في مشتريات المستهلكين بالتقسيط
وتأتي تصريحاته وسط مخاوف متزايدة بشأن الارتفاع الحاد في مشتريات المستهلكين بالتقسيط في جميع أنحاء مصر، لا سيما في مجال الإلكترونيات والأجهزة المنزلية والهواتف الذكية والسيارات والأثاث وخدمات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت.
وقد شهد سوق التمويل الاستهلاكي في مصر نموًا سريعًا منذ صدور القانون رقم 18 لسنة 2020، الذي نظم القطاع رسميًا تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية. وشهد القطاع نموًا كبيرًا خلال السنوات الأربع الماضية، مع زيادة ملحوظة في عدد الشركات المرخصة ومقدمي التمويل.
محمد فؤاد:غياب تطبيق معايير التمويل
من جانبه صرح الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب ، بأنه على الرغم من خضوع شركات التمويل الاستهلاكي، من الناحية الفنية، لإشراف هيئة تنظيم الائتمان، إلا أن بعض الشركات لا تطبق معايير كافية للمعايير الائتمانية المناسبة أو لا تجري فحوصات ائتمانية كافية قبل الموافقة على القروض. وكشف فؤاد، خلال مقابلة تلفزيونية، أن متوسط نسبة القروض المتعثرة في القطاع يبلغ حاليًا حوالي 3%، وفقًا لبيانات هيئة تنظيم الائتمان.
ومع ذلك، أشار إلى أن إحدى أكبر شركات السوق – التي تسيطر على ما يقرب من 27% من القطاع – سجلت معدل تعثر لا يتجاوز 1.25%، مما يعني أن شركات أخرى قد تسجل معدلات تعثر أعلى بكثير، قد تتجاوز 4% أو أكثر.
كما أكد فؤاد أن حجم المخاطر الفعلي قد يكون أقل من الواقع، نظرًا لاختلاف طرق حساب التعثر بين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية. فبينما تقيس البنوك عادةً القروض المتعثرة بناءً على القيمة الإجمالية لمحفظة القروض القائمة، تشير التقارير إلى أن بعض المؤسسات المالية غير المصرفية تحسب التعثر بناءً على الأقساط المتأخرة فقط، وليس على إجمالي قيمة القروض.
البرلمان يتدخل
بدأ البرلمان بالفعل مناقشة تدابير تشريعية تهدف إلى كبح ما وصفه النواب بـ”ممارسات الإقراض الاستهلاكي العدوانية”، إذ وقد تم إحالة اقتراح قدمه النائب حسام الخشت إلى اللجنة الاقتصادية البرلمانية لتعزيز حماية المستهلك، وتشديد متطلبات الامتثال، وضمان تطبيق أكثر صرامة لأنظمة الإقراض.
2500 شركة تمويل تحاصر الفقراء
في غضون ذلك، حذّر الخبير الاقتصادي محمد عبد الهادي من أن الانتشار السريع للقروض الاستهلاكية في القرى والمناطق الريفية وصعيد مصر قد تفاقم بشكل ضخم جدا وأغرق العديد من المواطنين في ديون بفوائد متراكمة وصعبة السداد.
وأكد عبد الهادي في تصريح لـ”مصر تايمز” أن التوسع في الاقتراض بالتقسيط يُؤدي إلى تضخم “فقاعة ديون المستهلكين”، التي يغذيها إلى حد كبير تراجع القدرة الشرائية وتدهور الأوضاع المالية للأسر، موضحا أنه في حين أن سوق الإقراض الأوسع يشمل الآن آلاف الكيانات التمويلية التي تعمل خارج الإطار المصرفي التقليدي، يجعل الرقابة الفعّالة معقدة وبالتالي فتلك الجمعيات تحاصر الفقراء الغير قادرين على السداد
كما أشار الخببير الاقتصادي إلى تدهور حاد في معدلات السداد، مؤكداً أن كفاءة السداد في بعض قطاعات السوق قد انخفضت بشكل كبير من حوالي 10% إلى ما يقارب 1% في بعض الشرائح عالية المخاطر.
الاقتراض للاستهلاك فقط
وأوضح أن العديد من المصريين يلجؤون بشكل متزايد إلى الاقتراض ليس للاستثمار أو تكوين الثروة، بل لتغطية نفقات المعيشة الأساسية في ظل الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الغذاء والمواصلات والرعاية الصحية والسكن.
ويخشى المحللون من أنه بدون تشديد اللوائح، وأنظمة تقييم ائتماني أكثر صرامة، وإفصاحات أكثر شفافية عن المخاطر، فإن النمو السريع لتمويل المستهلكين قد يعرض كلاً من المقرضين والمقترضين لضغوط مالية كبيرة خلال السنوات القادمة.