رسم الدكتور مصطفى الفقي، المفكر السياسي البارز، صورة قاتمة لمستقبل النفوذ الأمريكي في ظل السياسات التي انتهجها الرئيس دونالد ترامب، مؤكداً أن الولايات المتحدة بصدد دفع فاتورة باهظة لقرارات وصفها بـ”الخاطئة والمثيرة للجدل”.
وأوضح الفقي أن تداعيات هذه المرحلة قد لا تظهر نتائجها الكارثية بشكل فوري، لكنها ستحفر عميقاً في جسد المصالح الاستراتيجية لواشنطن، وتؤثر سلباً على مكانتها القيادية في النظام الدولي على المدى الطويل.
قرارات صدامية وتراجع في الشعبية
وفي قراءته للمشهد الداخلي الأمريكي خلال برنامج “يحدث في مصر”، أشار الفقي إلى أن ترامب اعتمد نهجاً صدامياً تجلى في قرارات كبرى مثل الانسحاب من منظمة “اليونسكو” واتفاقية باريس للمناخ، وهي خطوات أثارت تساؤلات جوهرية حول دور المستشارين المحيطين بالبيت الأبيض في تمرير مثل هذه السياسات. وكشف الفقي عن تآكل ملحوظ في الظهير الشعبي لترامب، مؤكداً أن معدلات الرضا عن أدائه هبطت إلى ما دون 30%، وهي نسبة تضعه في مقارنة قاسية مع الرئيس الأسبق جيمي كارتر، مما يعني أنه لو أجريت انتخابات في الوقت الراهن، فإن حظوظه في الحصول على الدعم السابق ستكون شبه معدومة.
المؤسسات الأمريكية وصراع الأغلبية
وعلى صعيد التوازنات السياسية داخل واشنطن، لفت الفقي إلى وجود حالة من الرفض الضمني من قبل المؤسسات الأمريكية لسياسات ترامب، خاصة تلك التي مست عصب التحالفات الغربية وحلف شمال الأطلنطي (الناتو). وأوضح أن المؤسسة التشريعية (الكونجرس) تتعامل حالياً بحذر شديد نظراً لامتلاك ترامب الأغلبية حتى الآن، محذراً من أن فقدان هذه السيطرة التشريعية قد يؤدي إلى انفجار أزمات سياسية ودستورية غير مسبوقة داخل الولايات المتحدة، خاصة مع وجود كتاب ونخب أمريكية باتوا يعلنون معارضتهم الصريحة للرئيس في كبرى الصحف.
سيناريوهات البقاء وتحدي الصعود الصيني
وفيما يخص مستقبل ترامب السياسي، لم يستبعد الفقي محاولات التيار الداعم له لإيجاد مخارج قانونية أو دستورية تضمن استمراره في المشهد، ولو بشكل غير مباشر، نظراً لوجود قاعدة موالية تبحث دائماً عن تفسيرات تخدم بقاءه في السلطة. وانتقل الفقي في تحليله إلى المستوى الجيوسياسي، مشيراً إلى أن نظريات “صعود وهبوط الإمبراطوريات” بدأت تطل برأسها مجدداً على الحالة الأمريكية؛ فبينما يراهن البعض على أن التقدم التكنولوجي الهائل قد يطيل أمد الهيمنة الأمريكية، تبرز الصين كقوة طموحة تعتقد يقيناً بقدرتها على انتزاع قيادة العالم مستقبلاً.
الدروس المستفادة ومستقبل الهيمنة
واختتم الدكتور مصطفى الفقي رؤيته بالتأكيد على أن الحديث عن تراجع النفوذ الأمريكي ليس وليد اليوم، بل هو نقاش ممتد منذ حرب فيتنام، إلا أن الفارق هذه المرة يكمن في حجم التصدع الذي أصاب العلاقات الأوروبية الأمريكية والتوازنات العالمية.
وشدد على أن التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى تمر بمراحل قوة يعقبها تراجع حتمي، وهو ما يفسر حدة التنافس الراهن بين واشنطن وبكين في كافة الملفات الدولية، بدءاً من الاقتصاد وصولاً إلى صراعات النفوذ في الشرق الأوسط وآسيا.