“خرج من البيت ولم يعد”.. جملة قصيرة تتكرر يوميًا في أقسام الشرطة، لكنها تحمل خلفها عشرات السيناريوهات المختلفة، فليس كل بلاغ تغيب ينتهي بجريمة، وليس كل اختفاء يكون هروبًا، لكن الساعات الأولى بعد البلاغ تظل الأكثر حساسية في رحلة البحث عن الحقيقة.
في السنوات الأخيرة، تحولت بلاغات التغيب إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا أمام أجهزة البحث الجنائي، خاصة مع تنوع أسباب الاختفاء، بين خلافات أسرية، أو هروب بإرادة الشخص، أو جرائم قتل، أو وقائع نصب واستدراج، وهو ما يجعل كل بلاغ يحمل احتمالات مفتوحة حتى تنتهي التحريات.
ولعل من أحدث الوقائع، ما شهدته محافظة بورسعيد، بعدما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور فتاة عشرينية مع مناشدات للبحث عنها عقب اختفائها بعد خروجها من منزل أسرتها. وبعد حالة من القلق، كشفت تحريات وزارة الداخلية أن الفتاة لم تتعرض لأي جريمة، وإنما غادرت المنزل بسبب خلافات أسرية، وأقامت لدى إحدى صديقاتها في القاهرة قبل أن تعود إلى أسرتها سالمة، لتنتهي الواقعة بخلاف عائلي لا بشبهة جنائية.
لكن النهاية لا تكون مطمئنة دائمًا
ففي قضية الإعلامية شيماء جمال، بدأ المشهد ببلاغ تغيب حرره أفراد من أسرتها بعد انقطاع الاتصال بها واختفائها المفاجئ.
ومع تكثيف التحريات، تحول البلاغ إلى واحدة من أشهر قضايا القتل في مصر، بعدما اعترف أحد المتهمين بمكان دفن الجثمان داخل مزرعة في البدرشين، لتكشف التحقيقات أن بلاغ التغيب كان بداية لكشف جريمة قتل مكتملة الأركان هزت الرأي العام.
كما بدأت قضية الطالبة ندى القاضي، المعروفة إعلاميًا بـ”طالبة العريش”، بغيابها عن الأنظار وانقطاع التواصل معها، قبل أن تكشف التحقيقات ملابسات الواقعة، لتتحول القضية إلى واحدة من أكثر القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتهت بإجراءات وتحقيقات موسعة لكشف الحقيقة كاملة.
ويؤكد رجال البحث الجنائي أن أول 24 ساعة من بلاغ التغيب تمثل “الساعات الذهبية”، إذ يتم خلالها تفريغ كاميرات المراقبة، وتتبع آخر موقع للهاتف المحمول، والاستماع إلى أقوال الأسرة والأصدقاء، وفحص الحسابات الإلكترونية، وهي إجراءات كثيرًا ما تقود إلى أول خيط في القضية.
وفي كثير من الوقائع، لم يكن المختفي ضحية جريمة، بل شخصًا قرر مغادرة منزله بإرادته بسبب خلافات أسرية أو ضغوط نفسية، بينما انتهت بلاغات أخرى بالعثور على أصحابها ضحايا لجرائم قتل أو حوادث أو عمليات استدراج.
ولهذا، لا يتعامل رجال المباحث مع أي بلاغ تغيب باعتباره واقعة عادية، لأن كل دقيقة قد تصنع الفارق بين إنقاذ شخص ما، أو الوصول إلى متهم، أو كشف جريمة حاول صاحبها أن تبدأ بكلمة واحدة فقط… “مختفٍ”.