تكفى صورة طفل يرتدى كفنًا أبيض ويحمل لافتة كُتب عليها «شهيد تحت الطلب» لإسقاط سنوات طويلة من الشعارات التى رفعتها جماعة الإخوان الإرهابية عن الرحمة والأخلاق والدعوة. فهذه اللقطة لم تكن مشهدًا عابرًا فى اعتصام رابعة، وإنما كانت عنوانًا لعقيدة تنظيمية وضعت مصلحة الجماعة فوق الإنسان، وجعلت براءة الأطفال وسيلة للحشد، ودموع الأيتام أداة للدعاية، والعاطفة الدينية وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.
على امتداد تاريخها، حرصت جماعة الإخوان على بناء صورة ذهنية باعتبارها جماعة تهتم بالتربية والنشء ورعاية الأجيال الجديدة، بينما كشفت الوقائع أن مفهومها للتربية لم يكن سوى صناعة أتباع يدينون بالولاء المطلق للتنظيم، وأن الطفل لم يكن بالنسبة إليها إنسانًا تجب حمايته، بل مشروع عضو جديد، أو وسيلة يمكن توظيفها كلما احتاجت الجماعة إلى حشد أو تعاطف أو ضغط سياسى.
وجاءت أحداث ما بعد ثورة 30 يونيو لتكشف الوجه الأكثر قسوة لهذا النهج، بعدما تجاوزت الجماعة حدود استغلال أبناء أعضائها، إلى الزج بالأطفال والأيتام فى قلب الصراع، واستغلال احتياجاتهم وبراءتهم لصناعة مشاهد دعائية تخدم روايتها أمام الرأى العام، فى ممارسات أثارت صدمة واسعة، وطرحت تساؤلات جوهرية حول حقيقة الخطاب الأخلاقى الذى طالما تباهت به الجماعة.
ولم تكن تلك الوقائع استثناءً فرضته ظروف اعتصام رابعة، وإنما امتدادًا لمسار بدأ منذ تأسيس الجماعة، عندما تحولت الطفولة داخل التنظيم إلى مرحلة للتجنيد الفكرى، وغرس ثقافة السمع والطاعة، وإعداد أجيال ترى فى الجماعة وطنًا، وفى قيادتها مرجعية تعلو على كل شىء. وبين بدايات «الأشبال» فى أربعينيات القرن الماضى، وصور الأطفال بالأكفان فى رابعة، يمتد خيط واحد يكشف أن استغلال الصغار لم يكن خطأً عابرًا، بل أحد أكثر وجوه المشروع الإخوانى إثارة للجدل.
الأشبال.. صناعة الولاء تبدأ من الطفولة
منذ السنوات الأولى لتأسيس جماعة الإخوان عام 1928، أدرك مؤسسها حسن البنا أن بقاء التنظيم مرهون بصناعة أجيال جديدة تتبنى أفكاره منذ الصغر. ولهذا أنشأت الجماعة ما عرف بـ«قسم الأشبال»، إلى جانب فرق «الجوالة»، التى قدمت نفسها باعتبارها أنشطة تربوية ورياضية وكشفية، بينما كانت فى حقيقتها إحدى أدوات بناء الكوادر التنظيمية.
وكان الأطفال يخضعون لبرامج تربوية تقوم على غرس أفكار الجماعة، وتعزيز مبدأ السمع والطاعة، وربطهم نفسيًا بقيادات التنظيم، بما يضمن استمرار المشروع الإخوانى عبر الأجيال. ولم يكن الهدف صناعة مواطن صالح بقدر ما كان إعداد عضو يضع مصلحة الجماعة فوق أى اعتبار آخر.
الأطفال فى خدمة المشروع الإخوانى
مع مرور الوقت، لم يعد دور الأطفال داخل الجماعة مقتصرًا على التلقين الفكرى، بل امتد إلى المشاركة فى الأنشطة الجماهيرية، والاحتفالات، والمسيرات، والفعاليات التنظيمية، حيث اعتادت الجماعة الدفع بهم إلى واجهة المشهد لإضفاء بعد عاطفى على تحركاتها.
وتزايد ظهور الأطفال فى الفعاليات التى نظمتها الجماعة، سواء خلال فترة حكم محمد مرسى أو بعد عزله، قبل أن يصل الأمر إلى ذروته فى اعتصام رابعة، الذى شهد واحدة من أكثر صور استغلال الأطفال إثارة للغضب.
أطفال بالأكفان البيضاء.. الدعاية فوق البراءة
شكلت صور الأطفال الذين ارتدوا الأكفان البيضاء داخل اعتصام رابعة صدمة للرأى العام، بعدما ظهروا وهم يحملون لافتات كتب عليها «شهيد تحت الطلب»، فى رسالة اعتمدت على توظيف الأطفال لإثارة التعاطف، وربطهم بمفاهيم الموت والاستشهاد.
ولم يكن هؤلاء الأطفال يملكون القدرة على إدراك طبيعة الرسائل التى يحملونها، أو الأبعاد السياسية للمشهد الذى وجدوا أنفسهم جزءًا منه، لكن الجماعة تعاملت معهم باعتبارهم وسيلة إعلامية تحقق لها مكاسب دعائية أمام الكاميرات.
واعتبر متخصصون فى علم النفس أن تعريض الأطفال لمثل هذه المشاهد، وربطهم بفكرة الموت والاستشهاد، يمثل ضغطًا نفسيًا بالغ الخطورة، ويترك آثارًا سلبية على تكوينهم النفسى.
الأيتام.. الفئة الأكثر استغلالًا
الأكثر صدمة أن وقائع الاستغلال لم تقتصر على أبناء المنتمين للجماعة، وإنما امتدت إلى أطفال دور الرعاية والأيتام.
ففى أغسطس 2013، ألقت أجهزة الأمن القبض على شخصين من المنتمين إلى جماعة الإخوان أثناء اصطحابهما عددًا من الأطفال من دور رعاية بشبرا الخيمة إلى اعتصام رابعة.
وكشفت التحريات أن المتهمين كانوا يترددون على دور الأيتام، ويقدمون للأطفال ملابس جديدة وهدايا مقابل اصطحابهم إلى الاعتصام، فى محاولة لزيادة أعداد المشاركين، وصناعة صورة إعلامية توحى بوجود تأييد شعبى واسع.
كما أوضحت التحقيقات أن الأطفال أُعيدوا إلى دور الرعاية، بينما تولت النيابة العامة التحقيق فى الواقعة، التى اعتبرها كثيرون واحدة من أكثر صور استغلال الفئات الضعيفة قسوة.
من دور الرعاية إلى ساحات الصراع
اللافت فى هذه الواقعة أن الجماعة اختارت أكثر الفئات احتياجًا وضعفًا، فالأطفال الأيتام لا يملكون القدرة على اتخاذ قرار مستقل، كما أن احتياجاتهم المعيشية تجعلهم أكثر قابلية للتأثر بأى إغراءات، وهو ما استغلته عناصر الجماعة عبر تقديم الملابس والهدايا مقابل اصطحابهم إلى الاعتصام.
وهكذا تحول اليتيم، الذى يفترض أن يكون موضع رعاية واهتمام، إلى وسيلة تستخدمها الجماعة فى معركة سياسية لا يدرك أبعادها.
الإبقاء على الأطفال داخل الاعتصام
مع اقتراب فض اعتصام رابعة، تصاعدت الدعوات المطالبة بإخراج النساء والأطفال من محيط الاعتصام، تجنبًا لتعريضهم للخطر، إلا أن الجماعة أصرت على استمرار وجودهم حتى الساعات الأخيرة.
لكن الإصرار على بقاء الأطفال داخل منطقة متوترة لم يكن قرارًا عفويًا، وإنما جاء فى إطار محاولة استغلال وجودهم كورقة ضغط إعلامية، بما يخدم رواية الجماعة أمام الرأى العام الداخلى والخارجى.
تناقض صارخ مع القيم التى رفعتها الجماعة
طوال عقود، احتكرت جماعة الإخوان الحديث باسم الدين، وقدمت نفسها باعتبارها النموذج الأكثر التزامًا بالقيم الإسلامية، غير أن الوقائع المتعلقة باستغلال الأطفال والأيتام كشفت تناقضًا واضحًا بين الخطاب والممارسة.
فالإسلام جعل حماية الطفل واجبًا، وأوصى برعاية اليتيم وصيانة كرامته، ونهى عن استغلال الضعفاء أو تعريضهم للأذى، بينما أثبتت الوقائع أن الجماعة تعاملت مع الأطفال باعتبارهم أدوات تخدم مشروعها السياسى، لا باعتبارهم أمانة يجب الحفاظ عليها.
انتهاك لحقوق الطفل
كما مثلت هذه الممارسات مخالفة صريحة للمبادئ التى أقرتها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والتى تنص على حماية الأطفال من الاستغلال السياسى، وإبعادهم عن النزاعات والصراعات، وضمان نشأتهم فى بيئة آمنة.
غير أن الجماعة فضلت توظيف الأطفال فى معركتها، واستغلال براءتهم لإنتاج صور ومشاهد تحقق تأثيرًا إعلاميًا، دون أى اعتبار لما قد يترتب على ذلك من آثار نفسية وإنسانية.
سلوك متكرر لدى التنظيمات المتطرفة
استغلال الأطفال يعد من السمات المشتركة للتنظيمات العقائدية المغلقة، التى تسعى إلى ضمان استمرارها عبر السيطرة على عقول الأجيال الجديدة، كما تستخدم الأطفال فى الحشد والدعاية، لعلمها بأن صورهم تثير التعاطف وتؤثر فى الرأى العام.
وجماعة الإخوان قدمت نموذجًا واضحًا لهذا السلوك، بدءًا من «الأشبال» و«الجوالة»، مرورًا بالتجنيد الفكرى المبكر، وانتهاءً باستغلال الأطفال والأيتام فى اعتصام رابعة.
فضيحة تكشف الوجه الحقيقى للجماعة
لا يمكن النظر إلى استغلال الأطفال والأيتام باعتباره مجرد واقعة عابرة ارتبطت باعتصام رابعة، بل هو حلقة ضمن تاريخ طويل من توظيف الصغار لخدمة مشروع تنظيمى لم يتردد فى استغلال أكثر الفئات ضعفًا كلما اقتضت مصلحته ذلك.
وبين أقسام «الأشبال» التى أُنشئت لتكوين أجيال تدين بالولاء المطلق للتنظيم، وصور الأطفال بالأكفان البيضاء، ووقائع استقدام الأيتام من دور الرعاية إلى الاعتصام مقابل ملابس وهدايا، تتكشف حقيقة واحدة؛ أن الجماعة التى طالما رفعت شعارات الرحمة والأخلاق، جعلت الطفل وسيلة لتحقيق أهدافها، وقدمت مصلحة التنظيم على براءة الصغار وحقوقهم.
ولهذا ستظل قضية استغلال الأطفال والأيتام واحدة من أكثر الصفحات سوادًا فى تاريخ جماعة الإخوان، لأنها لم تكشف فقط تناقضًا بين القول والفعل، بل كشفت أن التنظيم كان مستعدًا لتجاوز كل الحدود الأخلاقية والإنسانية عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على مشروعه أو تحقيق مكاسب سياسية، حتى لو كان الثمن براءة طفل أو دموع يتيم.