في 24 يونيو 2026، ضرب زلزالان عنيفان بقوة 7.2 و7.5 درجة على مقياس ريختر بفاصل زمني لا يتجاوز 39 ثانية، سواحل فنزويلا، مخلفين وراءهم دماراً هائلاً وأزمة إنسانية غير مسبوقة. الكارثة التي راح ضحيتها حتى الآن 4,333 قتيلاً و16,740 جريحاً، مع وجود 315 جثة لا تزال مجهولة الهوية، لم تقتصر على الخسائر البشرية، بل أحدثت زلزالاً سياسياً واقتصادياً أعاد تشكيل ملامح المشهد الفنزويلي بالكامل.
الخسائر الاقتصادية: أرقام تفوق التخيل
تشير التقديرات الأولية إلى أن حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الزلزال المزدوج يتراوح بين 1% و4% من الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا، وفقاً لنماذج هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، لكن الأرقام الفعلية تبدو أكثر إثارة للقلق، حيث قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأضرار المادية المباشرة بنحو 6.7 مليار دولار، في حين تتجاوز الخسائر الاقتصادية الإجمالية، بما في ذلك تأثيرها على النشاط الاقتصادي، حاجز العشرة مليارات دولار .
وتشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث إلى أن الأضرار المادية المباشرة في المساكن والبنية التحتية قد تصل إلى 37 مليار دولار، موزعة بين 24 ملياراً للأضرار في المباني و13 ملياراً للبنية التحتية، مع تعرّض قطاع الاتصالات لأكبر خسارة تقدر بنحو 5 مليارات دولار ، وقد تضرر 856 مبنى، انهار منها 190 بالكامل، مما تسبب في نزوح أكثر من 19,000 شخص يعيشون الآن في 94 مخيماً مؤقتاً.
وتعرض مطار سيمون بوليفار الدولي في كراكاس لأضرار بالغة، مما أدى إلى إغلاقه أمام الرحلات التجارية، في ضربة قاسية لقطاع السياحة والخدمات اللوجستية . كما توقفت آلاف الشركات عن العمل، وتعطلت سلاسل التوريد، مما أدى إلى انخفاض الإنتاجية وفقدان الوظائف.
تداعيات سياسية: صراع على السلطة وإعادة تموضع دولي
شكّل الزلزال نقطة تحول دراماتيكية في المشهد السياسي الفنزويلي، حيث وجدت الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب نفسها أمام فرصة ذهبية لإعادة تشكيل العلاقة مع فنزويلا بعد عقود من العداء. فبعد الإطاحة بالرئيس السابق نيكولاس مادورو في يناير 2026، أصبحت ديلسي رودريجيز رئيسة مؤقتة مدعومة من واشنطن، التي ترى في الكارثة فرصة لتعزيز نفوذها في الدولة صاحبة أكبر احتياطيات نفطية في العالم .
وتتبنى الإدارة الأمريكية استراتيجية ثلاثية المراحل: الاستقرار، ثم التعافي، وأخيراً التحول الديمقراطي. لكن الكارثة أعادت البلاد إلى مرحلة الاستقرار، حيث يركز البيت الأبيض حالياً على تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار على حساب جدول زمني للانتقال السياسي . وقد أثار هذا التحول انتقادات من بعض الجمهوريين، بمن فيهم السيناتور ريك سكوت، الذي اعتبر أن ديلسي رودريجيز “ترأس نظاماً إجرامياً” وأن الكارثة الطبيعية لا ينبغي أن تغير ذلك .
في المقابل، أغلقت الحكومة الفنزويلية الباب أمام أي نقاش سياسي حول تعيينات المحكمة العليا أو المجلس الانتخابي، واعتبر رئيس الجمعية الوطنية، خورخي رودريجيز، أن طرح مثل هذه المواضيع في خضم الكارثة “قلة أدب” تجاه الضحايا . وبدلاً من ذلك، تركز الحكومة على التنسيق مع المقاولين من جميع الأطياف السياسية لإعادة الإعمار.
جهود التمويل وإعادة الإعمار
في ظل الدمار الهائل، تسعى الحكومة الفنزويلية جاهدة لتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار. فقد أعلنت ديلسي رودريجيز عن إنشاء صندوق إعادة إعمار بقيمة 200 مليون دولار بدعم من صندوق النقد الدولي، الذي أكد محادثاته مع فنزويلا للسماح لها بالوصول إلى شريحة احتياطيها البالغة 350 مليون دولار . كما تمتلك فنزويلا احتياطيات من حقوق السحب الخاصة تبلغ حوالي 4.5 مليار دولار، لكن الوصول إليها لا يزال مقيداً.
ولم تتوقف المساعي عند صندوق النقد الدولي، حيث طالبت رودريجيز الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا بالإفراج عن نحو 30 طناً من الذهب الفنزويلي تقدر قيمتها بأربعة مليارات دولار، والمحتجزة في بنك إنجلترا منذ عام 2019 . كما أطلقت الأمم المتحدة نداءً لجمع نحو 300 مليون دولار كمساعدات طارئة.
من جهة أخرى، أثارت تصريحات الرئيس الكولومبي المنتخب، أبيلاردو دي لا إسبرييلا، حول استعداد بلاده لقيادة عملية إعادة الإعمار، توتراً دبلوماسياً، حيث رفضت فنزويلا أي تدخل في سيادتها، مؤكدة أن إعادة الإعمار مسؤولية حصرية للدولة الفنزويلية.
تحديات مؤسسية تعيق التعافي
تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن التحدي الأكبر أمام فنزويلا لا يكمن فقط في توفير التمويل، بل في استعادة القدرات المؤسسية التي تآكلت على مدى سنوات الأزمة الاقتصادية. فقد أضعفت الأزمة المطولة والصراعات السياسية قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ والإشراف على مشاريع إعادة الإعمار بهذا الحجم.
وقد برز المجتمع المدني والقطاع الخاص كفاعل رئيسي في الاستجابة للكارثة، حيث تطوع نحو 30,000 شخص للمساعدة في عمليات الإنقاذ والإغاثة . لكن هذه الجهود، رغم قيمتها، تظل غير كافية لمواجهة حجم الدمار، مما يجعل التعاون الدولي والمساعدات التقنية شرطاً أساسياً للتعافي.
يمثل الزلزال المزدوج الذي ضرب فنزويلا أكثر من مجرد كارثة طبيعية؛ إنه اختبار وجودي لدولة منهكة اقتصادياً ومتفككة سياسياً. فبينما تقدر الخسائر الاقتصادية بعشرات المليارات من الدولارات، ويصل عدد الضحايا إلى أكثر من 4,300 قتيل، تواجه البلاد أزمة إنسانية خانقة قد تطيح بالاستقرار الهش.
وفي ظل سيطرة الأولويات الإنسانية على الأجندة السياسية، تبقى الأسئلة حول مستقبل التحول الديمقراطي وإعادة الإعمار معلقة، في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة من تطورات قد تعيد رسم خريطة السلطة في واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية تعقيداً.