بوادر أزمة بين السودان وجنوب السودان.. إدراج أبيى ضمن دوائر الانتخابات العامة يفتح الباب للتصعيد.. الخرطوم ترفض للخطوة.. وتؤكد: خطوة أحادية تخالف الاتفاقيات.. والأمم المتحدة: أى تسوية يجب أن تتم عبر المفاوضات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أعاد قرار المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان إدراج منطقة أبيي المتنازع عليها ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر 2026، واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العلاقة بين الخرطوم وجوبا إلى واجهة المشهد السياسي، بعد سنوات من الجمود في ملف التسوية النهائية للمنطقة.

 

ورفضت الحكومة السودانية القرار بصورة قاطعة، معتبرة أنه يمثل خرقًا للاتفاقيات الموقعة بين البلدين وللقرارات الدولية، بينما يرى مراقبون أن الخطوة قد تنذر بمرحلة جديدة من التوتر السياسي في وقت يواجه فيه البلدان تحديات أمنية واقتصادية معقدة، ويعتمدان على التعاون في ملفات حيوية، أبرزها تصدير نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية.

 

الخرطوم: خطوة أحادية تخالف الاتفاقيات

ومن جهتها أكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية، في بيان، أن إدراج إدارية أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في ولاية واراب يخالف بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005، وكذلك اتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة الموقعة بين السودان وجنوب السودان عام 2011.

 

وأضافت أن هذه الاتفاقيات، إلى جانب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2046 الصادر عام 2012، تنص بوضوح على أن مستقبل المنطقة يجب أن يُحسم عبر التفاوض بين البلدين، وليس من خلال إجراءات أحادية.

 

ودعت الخرطوم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول الضامنة لاتفاقيات السلام إلى رفض أي خطوات خارج الأطر القانونية، مؤكدة تمسكها بالحل السلمي وبعلاقات حسن الجوار مع جنوب السودان.

 

لماذا تُعد أبيي منطقة استثنائية؟

تقع أبيي على الحدود بين السودان وجنوب السودان، وتُعد من أكثر المناطق حساسية بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها النفطية ومواردها الرعوية.

 

وينص بروتوكول أبيي الموقع ضمن اتفاقية السلام الشامل عام 2005 على منح المنطقة وضعًا إداريًا خاصًا إلى حين إجراء استفتاء يحدد تبعيتها، سواء للسودان أو لجنوب السودان.

 

لكن الاستفتاء لم يُجر حتى اليوم بسبب الخلاف حول من يحق له التصويت، إذ تتمسك جوبا بحق قبيلة دينكا نقوك في المشاركة باعتبارها السكان الدائمين، بينما تؤكد الخرطوم ضرورة مشاركة قبائل المسيرية التي تعتمد على المنطقة موسميًا في الرعي، وهو خلاف حال دون تنفيذ الاتفاق طوال العقدين الماضيين.

 

انتخابات تعيد الأزمة إلى الواجهة

يرى خبراء أن إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز العملية الانتخابية نفسها، إذ يمكن تفسيره باعتباره محاولة لترسيخ واقع إداري جديد على الأرض قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن المنطقة.

 

وأشار عدد من الخبراء في شئون القرن الأفريقي، إلى أن أي تغيير في الوضع القانوني لأبيي من جانب واحد قد يعقد جهود الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي منذ سنوات، خاصة أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سبق أن دعا مرارًا إلى الامتناع عن اتخاذ خطوات أحادية في المناطق المتنازع عليها.

 

ماذا تقول الأمم المتحدة؟

لا تزال منطقة أبيي تخضع لولاية قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (UNISFA)، التي أنشأها مجلس الأمن عام 2011 بموجب القرار 1990، بهدف مراقبة المنطقة العازلة ومنع اندلاع مواجهات بين الطرفين.

 

وتؤكد الأمم المتحدة بصورة متكررة أن الوضع النهائي للمنطقة لم يُحسم بعد، وأن أي تسوية يجب أن تتم عبر المفاوضات بين الخرطوم وجوبا وفق الاتفاقيات الموقعة.

 

كما دعا مجلس الأمن، في قراراته المتعاقبة، السودان وجنوب السودان إلى الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية قد تؤثر على مستقبل المنطقة أو تعرقل عملية السلام.

 

تأثير الخلافات على الاقتصاد

رغم استمرار الخلاف حول أبيي، نجح السودان وجنوب السودان خلال السنوات الماضية في الحفاظ على مستوى من التعاون الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بعبور نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى ميناء بورتسودان، وهو شريان اقتصادي رئيسي بالنسبة لجوبا، كما يمثل مصدرًا مهمًا للإيرادات بالنسبة للخرطوم.

 

لكن مراقبين يحذرون من أن تصاعد الخلاف السياسي قد ينعكس على مستوى الثقة بين الجانبين، ويؤثر على الملفات المشتركة، خصوصًا في ظل استمرار الحرب داخل السودان والأوضاع الاقتصادية الصعبة في جنوب السودان.

 

هل تتجه العلاقات إلى التصعيد؟

لا يتوقع خبراء أن يقود الخلاف الحالي إلى مواجهة مباشرة بين البلدين، لكنهم يرون أنه قد يعرقل استئناف الحوار حول الملفات العالقة، وفي مقدمتها ترسيم الحدود وتقاسم الموارد ووضع أبيي.

 

ويشير محللون إلى أن توقيت القرار يكتسب أهمية خاصة، إذ تستعد جنوب السودان لإجراء أول انتخابات عامة منذ استقلالها عام 2011، بينما يعيش السودان حربًا داخلية منذ أبريل 2023، ما يجعل أي توتر إضافي بين البلدين مصدر قلق إقليمي ودولي.

 

ويرى خبراء في الشأن الأفريقي أن نجاح الوسطاء الدوليين والإقليميين في احتواء الأزمة سيعتمد على إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، باعتبار أن الاتفاقيات الموقعة لا تزال تمثل الإطار القانوني الوحيد المقبول دوليًا لمعالجة قضية أبيي.

 

أزمة مؤجلة تعود من جديد

يعكس الجدل بشأن إدراج أبيي في الدوائر الانتخابية لجنوب السودان أن القضية لا تزال بعيدة عن الحل النهائي، رغم مرور أكثر من عقدين على توقيع اتفاقية السلام الشامل وأكثر من 15 عامًا على استقلال جنوب السودان.

 

وبين تمسك الخرطوم بالاتفاقيات الدولية، وسعي جوبا للمضي في ترتيباتها الانتخابية، تبدو أبيي مرشحة للبقاء إحدى أكثر بؤر الخلاف حساسية في شرق أفريقيا، ما لم تنجح الجهود الأفريقية والدولية في إعادة إحياء مسار التفاوض والوصول إلى تسوية دائمة تحظى بقبول الطرفين.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً