استهل الرئيس دونالد ترامب تصريحاته الليلة بشأن الانتخابات الأمريكية بخطاب حاد يشكك في أمن العملية الانتخابية في البلاد، زاعماً أنها تعاني «قصوراً كارثياً»ـ متهماً الصين بتنفيذ أكبر عملية اختراق لبيانات الناخبين في التاريخ، وذلك على الرغم من تقييم الاستخبارات الأمريكية الذي لم يجد أي دليل يدعم هذا الادعاء.
وخلال خطاب وجهه إلى الأمة استمر لنحو نصف ساعة في وقت ذروة المشاهدة من البيت الأبيض يوم الخميس، أحيا ترامب العديد من مزاعمه القديمة بأن الانتخابات الأمريكية غير موثوقة، مستشهداً بوثائق رُفعت عنها السرية حديثاً قال إنها كشفت عن «نقاط ضعف صادمة».
وقال ترامب، متحدثاً من القاعة الشرقية في البيت الأبيض: «لقد عادت أمريكا وهي تحقق نجاحاً كبيراً، لكننا لا نزال نواجه تحدياً كبيراً يجب معالجته بشكل عاجل؛ إذ لا يمكن لأي دولة أن تكون عظيمة دون انتخابات عادلة ونزيهة».
وأضاف الرئيس: «يستحق كل أمريكي أن يطمئن إلى أن صوته سيُحتسب بدقة ضمن النظام الانتخابي، والهدف هو جعل هذا النظام آمناً؛ بحيث يكون الغش والتدخل فيه أمراً ليس صعباً فحسب؛ بل شبه مستحيل».
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2024، دأب ترامب – دون تقديم أدلة – على الزعم بأن الانتخابات الرئاسية لعام 2020 قد «زُورت» ضده. وكما فعل حين كان مرشحاً، سعى ترامب إلى التشكيك في نزاهة الانتخابات الأمريكية في الأعوام 2016 و2020 و2024.
وقد رسم ترامب صورة قاتمة لنظام الانتخابات في البلاد، محذراً من أنه «يعرضنا بشكل خطِر – وبمستويات لم يكن يُعتقد أنها ممكنة – للاختراق والاستغلال والتدخل الأجنبي»، زاعماً في الوقت نفسه أن «هذه المعلومات الحيوية ظلت لسنوات عديدة طي الكتمان ومخفية عنكم».
أسوا من دول العالم الثالث
وخلال تصريحاته، استخدم ترامب لغة متشددة للتشكيك في انتخابات البلاد، حيث قال في إحدى النقاط: «الوضع هنا أسوأ مما هو عليه في أي دولة من دول العالم الثالث؛ فلا توجد دولة من دول العالم الثالث تُجرى فيها انتخابات مثل تلك التي لدينا».
ورغم هذه المزاعم، لم يقدم ترامب أي أدلة على وجود أوراق اقتراع فعلية تم الإدلاء بها بطريقة احتيالية في انتخابات عام 2020.
صعّد ترامب جهوده لجعل أمن الانتخابات قضية محورية في انتخابات منتصف المدة المقررة في نوفمبر المقبل، مؤكداً أن الصين تدخلت في الحملة الرئاسية لعام 2020، وذلك على الرغم من تقييم الاستخبارات الأمريكية الذي لم يجد أي دليل يدعم هذا الادعاء.
ومع ذلك، بدا أن الكثير من هذه الوثائق لا يدعم ادعاءاته على الإطلاق. وفي حين صوّر ترامب الانتخابات الأمريكية على أنها معرضة للاختراق بشكل كبير، فإنه لم يقدم أي دليل على تعديل أو التلاعب بأي أصوات في انتخابات عام 2020.
ضغوط لتمرير «قانون إنقاذ أمريكا»
واستغل ترامب كلمته للضغط مجدداً على زملائه الجمهوريين في الكونغرس لتمرير تشريع يفرض متطلبات جديدة لإثبات الهوية والجنسية للمصوتين، على الرغم من النتائج المؤكدة التي تشير إلى أن تزوير أصوات الناخبين أمر نادر الحدوث. ويواجه مشروع القانون، المعروف باسم «قانون إنقاذ أمريكا»، جموداً في مجلس الشيوخ وسط معارضة شرسة من الديمقراطيين.
ويأتي هذا الخطاب في لحظة سياسية صعبة لترامب والجمهوريين، الذين يواجهون احتمالية خسارة إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما في نوفمبر المقبل، في ظل تراجع شعبية الرئيس بسبب حرب إيران غير الشعبية وارتفاع أسعار الطاقة.
وقد حث بعض القادة الجمهوريين ترامب على التركيز على القضايا الأكثر أهمية للمواطن الأمريكي، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة، بدلاً من التركيز على الاقتراع الخاص بعام 2020.
وتطرق ترامب باختصار إلى الحرب، قائلاً إن الولايات المتحدة «تحقق نصراً كبيراً»، وعدد الإنجازات المحلية مثل التخفيضات الضريبية وحملته الصارمة ضد الهجرة قبل أن ينتقل إلى ملف أمن الانتخابات.
وقال الرئيس إنه سيرفع السرية عن معلومات تظهر أن الصين حصلت بشكل غير مشروع على ملفات 220 مليون ناخب أمريكي، تشمل الأسماء والعناوين وبيانات أخرى. وزعم أن أعضاء في مجتمع الاستخبارات الأمريكي تعمدوا التكتم على حجم الأنشطة الصينية.
واعتبر ترامب أن تقارير الاستخبارات تؤكد أن سياسة الحزب الشيوعي الصيني منذ 2018 قضت بدعم أي طرف معارض لدفعه للاستقالة، مؤكداً أن بكين بحثت عن صحفيين أمريكيين لكتابة تقارير سلبية ضده.
وفي المقابل، خلص تقييم رُفعت عنه السرية للاستخبارات الأمريكية عام 2021 إلى عدم وجود مؤشرات على أن أي طرف أجنبي حاول أو نجح في تعديل «أي جانب تقني» لانتخابات الرئاسة لعام 2020، بما في ذلك تسجيلات الناخبين، أو أوراق الاقتراع، أو عمليات الفرز أو النتائج.
وقد أُجري هذا التقييم تحت إشراف جون راتكليف، الذي كان يشغل حينها منصب مدير الاستخبارات الوطنية لترامب، ويشغل حالياً منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لديه.
ووجد التقرير أن الصين بذلت جهوداً يعود تاريخها إلى عام 2008 على الأقل لجمع معلومات عن الناخبين الأمريكيين، والرأي العام، والمرشحين، وكبار المسؤولين الحكوميين، بهدف محتمل وهو استخدام هذه المواد للتنبؤ بنتائج الانتخابات.
وقال شخصان مطلعان على الأمر إن بيانات الناخبين الأمريكيين التي حصلت عليها الصين لم تكن سرية – حيث يشتري المستشارون السياسيون ملفات الناخبين بشكل روتيني – ولم يكن من الممكن التلاعب بها.
ترامب يخاطر بزعزعة العلاقات مع الصين
تهدد لغة ترامب القاسية تجاه الصين بزعزعة العلاقات التي استقرت نسبياً بعد الحرب التجارية المكلفة العام الماضي. ويأمل ترامب في لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر لبحث تحسين العلاقات التجارية.
وقبل أن يبدأ ترامب كلمته، قال المتحدث باسم السفارة الصينية، ليو تشانغ:
«الصين لم ولن تتدخل أبداً في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة».
وقضى ترامب سنوات في إثارة الشكوك حول النتائج الانتخابية، زاعماً كذباً أن خسارته في عام 2020 أمام الديمقراطي جو بايدن كانت مزورة. كما روّج لادعاءات كاذبة أخرى، بما في ذلك أن التصويت بالبريد يعج بالتزوير، وأن آلات التصويت غير جديرة بالثقة، وأن تصويت غير المواطنين منتشر على نطاق واسع.
ورغم ذلك، لم يجد العديد من المحاكم وعمليات إعادة فرز الأصوات أي دليل على حدوث تزوير واسع النطاق في انتخابات 2020.
275 ألف شخص من غير المواطنين مسجلين
وقال ترامب يوم الخميس إن إدارته كشفت عن أكثر من 275 ألف شخص من غير المواطنين مسجلين للتصويت في أربع ولايات فقط، لكنه لم يقدم أي دليل على أن أياً منهم قد أدلى بصوته بالفعل.
وفي بعض الحالات السابقة، قامت الأنظمة المخصصة للتحقق من حالة المواطنة بتصنيف بعض الأمريكيين المجنسين كغير أمريكيين عن طريق الخطأ. وأظهرت الدراسات أن تصويت غير المواطنين هو أمر نادر للغاية.
وقال ترامب أيضاً إن الوثائق التي رُفعت عنها السرية حديثاً ستكشف عن نقاط ضعف خطِرة في أمن الانتخابات. ومع ذلك، بدا الكثير منها غير متوافق مع هذا الادعاء أو غير ذي صلة بالبنية التحتية للانتخابات الأمريكية:
الوثيقة الأولى: وثيقة من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أُعدت الشهر الماضي، كانت تتعلق بالانتخابات الفنزويلية وليس الأمريكية.
الوثيقة الثانية: جاء فيها: «نقدر أنه سيكون من الصعب التلاعب بأنظمة جدولة الأصوات على نطاق واسع بما يكفي لتقويض نتائج الانتخابات».
الوثيقة الثالثة: صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية، فصّلت جهوداً يبذلها جواسيس صينيون لاستهداف حملة بايدن، وأشارت إلى أن بكين «لا تنوي حالياً التدخل سراً لمحاولة التأثير في نتيجة الانتخابات».
وقال السيناتور الديمقراطي مارك وارنر من فرجينيا، نائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، في بيان صدر أثناء الخطاب:
«إن مفاجآت ترامب الصادمة بشأن الصين زائفة تماماً. الحقيقة هي أن وكالات الاستخبارات لدينا اتفقت بالإجماع على أن الصين لم تحاول حتى تغيير صوت واحد في انتخابات 2020».