لا تزال الأزمة السياسية في ليبيا تراوح مكانها منذ تعثر إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي كان مقررًا تنظيمها في 24 ديسمبر2021، بعدما أعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تعذر إجرائها بسبب ما وصفته بـ”القوة القاهرة”. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الانقسام السياسي والمؤسسي، في ظل تعثر التوافق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية تنظم عام 2021، في ممارسة مهامها برئاسة عبد الحميد الدبيبة، فيما تولى محمد المنفي رئاسة المجلس الرئاسي، إلى جانب عضوية موسى الكوني وعبد الله اللافي. وفي المقابل، سحب مجلس النواب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، وكلف حكومة جديدة برئاسة أسامة حماد، تتخذ من بنغازي مقرًا لها، ما أدى إلى تعميق الانقسام بين شرق البلاد الاستحقاق الانتخابي.
واستمرت السلطة التنفيذية المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي عقد في جنيف مطلع عام 2021، في ممارسة مهامها برئاسة عبد الحميد الدبيبة، فيما تولى محمد المنفي رئاسة المجلس الرئاسي، إلى جانب عضوية موسى الكوني وعبد الله اللافي. وفي المقابل، سحب مجلس النواب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، وكلف حكومة جديدة برئاسة أسامة حماد، تتخذ من بنغازي مقرًا لها، ما أدى إلى تعميق الانقسام بين شرق البلاد وغربها.
وخلال السنوات الخمس الماضية، أخفقت جميع المبادرات المطروحة في الوصول إلى توافق يمهد لإجراء الانتخابات، نتيجة استمرار الخلافات بين القوى السياسية الليبية. ففي حين تتمسك قوى في غرب البلاد بإجراء الانتخابات البرلمانية أولًا، ترفض قوى رئيسية في شرق ليبيا هذا الطرح، وتطالب بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.
مبادرة مسعد بولس
في هذا السياق، طرح كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مبادرة لحل الأزمة الليبية، تقوم على إعادة توحيد السلطة التنفيذية من خلال تشكيل حكومة موحدة يقودها رئيس من غرب ليبيا، إلى جانب إعادة تشكيل المجلس الرئاسي برئاسة شخصية من شرق البلاد، بما يحقق توازنًا سياسيًا بين المنطقتين الشرقية والغربية، ويمهد لإجراء الانتخابات.
ولقيت المبادرة ترحيبًا من قوى ومكونات رئيسية في شرق ليبيا، حيث أصدرت عدة قبائل بيانات أعلنت فيها دعمها للمقترح الأمريكي، مؤكدة أهمية إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وتسريع الخطوات نحو تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت.
في المقابل، أعلنت مكونات من المنطقة الغربية رفضها للمبادرة، مؤكدة دعمها لأي مبادرة سياسية تستهدف توحيد البلاد وإنهاء حالة الانقسام، شريطة أن تستند إلى مبدأ الشراكة الوطنية والتمثيل العادل لجميع المكونات السياسية والاجتماعية، بما يعكس التوازن بين مختلف المناطق الليبية.
المبادرة الثلاثية
بالتزامن مع الإعلان عن المبادرة الأمريكية، أعلنت المجالس الليبية الثلاثة؛ مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، توصلها إلى توافق بشأن إجراء الانتخابات البرلمانية في فبراير 2027، في إطار توافق ليبي – ليبي بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وشمل التوافق العمل على توحيد المؤسسات السيادية والتنفيذية بين شرق البلاد وغربها، ومعالجة ازدواجية الحكومات والمؤسسات المالية والأمنية، والتوافق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، إلى جانب تشكيل حكومة موحدة أو إدارة تنفيذية انتقالية تشرف على المرحلة المؤقتة، وتعمل على تهيئة الظروف السياسية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات، ودعم مسار المصالحة الوطنية.
وتتقاطع المبادرة الثلاثية مع المبادرة الأمريكية في هدفها المتمثل في توحيد المؤسسات التنفيذية والسيادية وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، إلا أن المبادرة الأمريكية تركز بصورة أكبر على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، بينما تضع المبادرة الثلاثية إطارًا زمنيًا وخريطة طريق للاستحقاق الانتخابي.
المبادرة الأممية
بالتوازي مع هذه التحركات، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهودها للتوصل إلى توافق بين مختلف الأطراف الليبية، من خلال إطلاق حوار سياسي منظم شاركت فيه 120 شخصية ليبية، إلى جانب إشراك آلاف المواطنين في مشاورات امتدت لستة أشهر.
ورغم هذه الجهود، لا تزال البعثة تواجه تحديات كبيرة تتعلق بضمان التزام الأطراف الليبية بمخرجات الحوار، الأمر الذي يستدعي وضع آليات أكثر فاعلية للتعامل مع معرقلي العملية السياسية، خاصة في ظل استمرار الانقسام المؤسسي ووجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة.
كما تعمل الأمم المتحدة، من خلال اللجنة المشتركة “4+4″، على التوافق بشأن آلية لإجراء الانتخابات، استنادًا إلى قوانين انتخابية توافقية، بالتوازي مع بحث إعادة هيكلة مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واختيار رئيس جديد للمفوضية خلفًا للدكتور عماد السايح.
وتلوح البعثة الأممية بخيار تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تتولى بحث هيكلة السلطة التنفيذية والتوافق على القوانين الانتخابية، في حال تعثرت أعمال اللجنة المشتركة “4+4″، وهو ما سبق أن أشارت إليه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، في إحاطاتها أمام مجلس الأمن.
التطورات الأمنية في الجنوب.
بالتزامن مع التحركات السياسية، شهدت مدن الجنوب الغربي الليبي خلال الأيام الماضية تصاعدًا في التوترات الأمنية والعمليات العسكرية، في ظل استمرار هشاشة الأوضاع الأمنية في المنطقة الحدودية، التي تمثل إحدى أبرز بؤر التحديات الأمنية في البلاد.
وتقول القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية إنها تواصل، بالتعاون مع القبائل والمكونات الاجتماعية، تنفيذ عمليات لملاحقة الجماعات المسلحة وشبكات تهريب الوقود والاتجار بالبشر، وتعزيز الأمن في المناطق الجنوبية، التي تتأثر بالأوضاع الأمنية المتقلبة على الحدود المشتركة مع تشاد والنيجر ومالي، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.
وتبقى الأوضاع الأمنية في الجنوب أحد العوامل المؤثرة في فرص نجاح أي تسوية سياسية، نظرًا لارتباط استقرار المنطقة بتهيئة بيئة آمنة لإجراء الانتخابات، إلى جانب الحد من تأثير الجماعات المسلحة على المشهد السياسي والأمني.
فرص النجاح
ورغم تعدد المبادرات المطروحة، سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية، فإن فرص نجاحها تظل مرهونة بتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف الليبية، واستعدادها لتقديم تنازلات متبادلة تفضي إلى إنهاء حالة الانقسام.
كما يتطلب نجاح أي مسار سياسي توفير ضمانات محلية ودولية تكفل تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والتنفيذية، وتهيئة المناخ المناسب لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة، تحظى بقبول جميع الأطراف، بما يسهم في إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ أكثر من عقد، واستعادة الاستقرار السياسي والمؤسسي في ليبيا.