في إعلام الجماعات والتنظيمات، لا مكان للعاطفة ولا وفاء للوجوه القديمة، فالمعادلة تحكمها حسابات التأثير والمشاهدات فقط وكلما فقد أحد الأبواق الإعلامية قدرته على جذب الانتباه أو صناعة الجدل، تبدأ عملية البحث عن بديل يتولى المهمة نفسها، لكن بوجه مختلف وأسلوب أكثر قدرة على استقطاب الجمهور. وخلال الفترة الأخيرة، تزايدت المؤشرات التي تعكس حالة إعادة ترتيب داخل المنصات الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، بالتزامن مع تراجع تأثير الإرهابي الهارب محمد ناصر، وظهور أسماء جديدة يجري الدفع بها تدريجيًا، في محاولة لإعادة تدوير الخطاب نفسه بوجوه مختلفة.
كيف أصبح محمد ناصر “الكارت المحروق”؟
على مدار سنوات، اعتمد الإرهابي الهارب محمد ناصر على أسلوب واحد تقريبا في تقديم محتواه، قائم على الصراخ، والمبالغة، وإثارة الجدل، وتحويل كل حدث إلى مادة للتحريض. ومع مرور الوقت، فقد هذا الخطاب عنصر المفاجأة، وأصبح تكرار الرسائل والأساليب محل انتقاد حتى من قطاعات كانت تتابعه، بعدما غابت الأفكار الجديدة، واقتصر المحتوى على إعادة إنتاج الخطاب نفسه بصيغ مختلفة.
كما أن الاعتماد المستمر على الإثارة والانفعال، دون تقديم معلومات موثقة أو معالجات موضوعية، أسهم في تراجع حالة التفاعل التي كان يحققها في سنوات سابقة، وهو ما جعل استمراره بنفس الزخم محل تساؤل داخل المشهد الإعلامي المعارض.
كيف يجري إعداد البديل؟
تعتمد المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الإرهابية على سياسة الإحلال والتبديل كلما تراجع تأثير أحد وجوهها وتبدأ العملية برصد شخصيات تحقق انتشارا نسبيا على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تمتلك قدرة على إثارة الجدل، ثم يتم منحها مساحات محدودة عبر البث المباشر أو المنصات الرقمية، لاختبار قدرتها على جذب المشاهدات والتفاعل.
وفي حال نجاح التجربة، تبدأ المرحلة الثانية، والتي تقوم على توسيع الظهور الإعلامي تدريجيا، مع تقديم هذه الوجوه في صورة مختلفة، سواء باعتبارها مستقلة أو تحمل خطابا أكثر هدوءا، رغم أن الرسائل الأساسية تبقى واحدة، مع اختلاف طريقة العرض فقط.
كيف تدار مرحلة الانتقال؟
لا تتم عملية استبدال الوجوه بصورة مفاجئة، بل وفق آلية تدريجية تضمن عدم فقدان الجمهور لذلك يجري الدفع بالوجوه الجديدة إلى جانب الأسماء القديمة، قبل منحها مساحة أكبر إذا حققت نسب مشاهدة وتفاعل مرتفعة، بينما تتراجع مساحة ظهور الوجوه التي فقدت بريقها تدريجيا.
وتشير متابعات للمشهد الإعلامي المعارض إلى أن هذه السياسة أصبحت نمطًا متكررًا، إذ لا يرتبط استمرار أي اسم بتاريخ ظهوره، وإنما بقدرته على تحقيق التأثير وإقناع القائمين على تلك المنصات بأنه لا يزال قادرا على جذب الجمهور.
كيف يحاول محمد ناصر تأجيل خروجه من المشهد؟
في المقابل، يبدو أن محمد ناصر يحاول مقاومة تراجع حضوره من خلال تصعيد نبرة خطابه، والعودة إلى الملفات المثيرة للجدل، وتكثيف ظهوره الإعلامي، في محاولة لإثبات أنه ما زال يمتلك القدرة على تحقيق نسب مشاهدة وتفاعل تضمن استمراره.
ولذلك فإن زيادة جرعة الإثارة في الفترة الأخيرة تعكس محاولة لاستعادة الاهتمام، في ظل منافسة متزايدة من وجوه جديدة تسعى لحجز مكانها داخل المشهد الإعلامي الإخواني.
وتكشف طبيعة عمل إعلام الإخوان الإرهابية أن الأشخاص ليسوا الهدف، بل الأدوار التي يؤدونها فحين تتراجع قدرة أحد الوجوه على التأثير، تبدأ عملية البحث عن بديل يستطيع حمل الرسائل نفسها بوسائل مختلفة وبين محاولات محمد ناصر الحفاظ على موقعه، وسعي المنصات إلى الدفع بأسماء جديدة، تتواصل سياسة إعادة تدوير الوجوه، بينما يبقى المعيار الوحيد هو القدرة على تحقيق التأثير، وليس تاريخ الظهور أو سنوات الحضور على الشاشة.