أزمة مزدوجة فى أوروبا.. موجة حر قاتلة تفضح أزمة تبريد خانقة.. الاتحاد الأوروبى يحظر تدريجيا أجهزة التكييف الملوثة.. قائمة مطولة تصل لأواخر أغسطس للحصول على تكييف.. موجة الحر الأكثر دموية فى تاريخ القارة العجوز

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بينما تكافح أوروبا موجات حر غير مسبوقة أودت بحياة الآلاف ودفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، يواجه الملايين أزمة مزدوجة: حرارة لاهثة تهدد حياتهم، وقوانين بيئية صارمة تبدأ في حظر تدريجي لأجهزة التكييف التي تعتمد على غازات ملوثة، في مشهد يعكس التحدي المركب بين ضرورة التبريد الفورية والتزامات الحياد المناخي طويلة المدى.

 

موجة الحر الأكثر دموية في تاريخ أوروبا

تشهد القارة الأوروبية صيفاً استثنائياً في قسوته، حيث سجلت درجات حرارة قياسية تجاوزت 44 درجة مئوية في فرنسا و41.7 درجة في ألمانيا . وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى وفاة أكثر من 1,300 شخص منذ 21 يونيو بسبب ارتفاع درجات الحرارة، مع تحذير المدير العام تيدروس أدهانوم جيبريسوس من أن “أوروبا هي القارة الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة على الأرض، بمعدل ضعف المتوسط العالمي” .

في فرنسا وحدها، سُجلت حوالي 2025  حالة وفاة إضافية فوق المعدل الطبيعي خلال أيام قليلة . وفي ألمانيا، بلغ عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة نحو 5,120 حالة منذ بداية العام، معظمهم من كبار السن فوق 75 عاماً . كما سجلت إسبانيا حرائق مدمرة أودت بحياة 11 شخصاً في إقليم ألميريا، مع درجات حرارة وصلت إلى 44 درجة مئوية في بعض المناطق.

وحذرت السلطات الصحية من أن “الإجهاد الحراري غالباً ما يُطلق عليه اسم القاتل الصامت، فالمنازل الأوروبية وأماكن العمل والمدارس لم تُصمم لتحمل هذه الدرجات” . وشهدت فرنسا إغلاق 13,500 مدرسة ، بينما اضطرت بريطانيا لإلغاء فعاليات أسبوع المناخ في لندن بسبب الحرارة نفسها.

 

أزمة التبريد تحت وطأة التشريعات الأوروبية

في خضم هذه الأزمة الإنسانية، بدأت لوائح الاتحاد الأوروبي الجديدة (F-Gas III) تطبيق مراحلها الأولى لحظر الغازات الملوثة في أنظمة التبريد. فقد دخل حيز التنفيذ منذ يناير 2026 حظر استخدام الغازات المفلورة في صيانة معدات التكييف إذا كان معامل الاحتباس الحراري (GWP) للغاز يتجاوز 2500 .

لكن الجدول الزمني الأكثر تأثيراً يلوح في الأفق: فبدءاً من 2027، سيُحظر بيع أنظمة التكييف المنفصلة (سبليت) بقدرة أقل من 12 كيلوواط إذا كان غاز التبريد المستخدم فيها له معامل احتباس حراري يتجاوز 150 . وهذا يعني أن غاز R32، الذي يُستخدم حالياً في الغالبية العظمى من أجهزة التكييف المنزلية، سيصبح خارج نطاق التسويق بحلول 2029.

ويوضح الخبراء أن المشكلة ليست في حظر الأجهزة الحالية، بل في توافر غازات الصيانة المستقبلية. فمع انخفاض حصص إنتاج هذه الغازات تدريجياً، سترتفع أسعار إعادة التعبئة بشكل كبير . وبحلول 2032، سيُمنع استخدام أي غاز بمعامل احتباس حراري يتجاوز 750 في الصيانة .

 

بين الحاجة الماسة والالتزام المناخي

تكشف الأرقام حجم المعضلة الأوروبية. ففي يونيو الماضي، تعرض نحو 100 مليون أوروبي لدرجات حرارة تجاوزت 35 درجة مئوية . وتزامنت الموجة الحارة مع انقطاعات في شبكات الكهرباء وإغلاق مفاعلات نووية في فرنسا بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد .

في هذا السياق، يبدو التوجه نحو البدائل الصديقة للبيئة – مثل غاز البروبان (R290) الذي لا يحتوي على فلور وله معامل احتباس حراري يكاد يكون منعدماً – حلاً ضرورياً، لكنه يحمل تحدياته الخاصة. فالبروبان غاز شديد الاشتعال، ويتطلب تصميمات أمان أكثر تعقيداً وتدريباً خاصاً للفنيين .

 

أزمة إنسانية تبحث عن حلول سريعة

مع توقع استمرار موجات الحر وتزايد حدتها – حيث يحذر العلماء من أن ظاهرة “القبة الحرارية” التي تسببت في هذه الموجة قد أصبحت تتكرر سنوياً  – تتحول مسألة التبريد من رفاهية صيفية إلى ضرورة صحية عامة، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 150 مليون أوروبي يعيشون حالياً تحت وطأة حر شديد .

في هذا الواقع، يبدو أن أوروبا أمام مفترق طرق صعب: كيف يمكن التوفيق بين التزاماتها المناخية الطموحة وحماية ملايين المواطنين من حرارة تهدد حياتهم؟ الإجابة تتطلب تسريع وتيرة التحول إلى تقنيات التبريد النظيفة، مع ضمان توفرها بأسعار معقولة، وتدريب كافٍ للفنيين، ودعم حكومي للفئات الأكثر ضعفاً التي تعتمد على أجهزة التكييف القديمة.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً