في خضم التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، تشهد أوروبا تحركاً عسكرياً غير مسبوق، حيث تتدفق مئات المليارات من اليورو لتعزيز القدرات الدفاعية للقارة، في استجابة حازمة لمخاوف أمنية متصاعدة، وتوتر العلاقات مع روسيا، وضغوط أمريكية متزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي.
ويُعد هذا التحول الأكبر في السياسات الدفاعية الأوروبية منذ الحرب الباردة، حيث تخلت الدول الأوروبية عن “أرباح السلام” التي تمتعت بها لعقود، واستبدلتها بسباق تسليح يهدف إلى بناء قدرات ردع حقيقية وضمان الأمن الجماعي.
أرقام خيالية.. تريليون يورو لتعزيز الردع
أعلن مفوض الدفاع والفضاء الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستُنفق نحو 7 تريليونات يورو خلال العقد المقبل على صناعة الأسلحة والمعدات العسكرية، وذلك وفقاً لتعهداتها لحلف الناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال كوبيليوس في مؤتمر عسكري: “نحن بحاجة إلى دفع ثمن السلام، لتجنب دفع ثمن الحرب”، مضيفاً أن الهدف الاستراتيجي هو التفوق على روسيا في المجال العسكري: *”يجب أن ننتج أكثر، ونبتكر أكثر، ونتفوق على روسيا في التسليح”.
آليات تمويل مبتكرة: برنامج SAFE
في قلب هذا التحرك، يأتي برنامج “الأمن من أجل أوروبا” (SAFE) كأداة تمويل رئيسية، حيث يهدف إلى توفير قروض طويلة الأجل بقيمة 150 مليار يورو لدعم المشتريات الدفاعية المشتركة وتطوير الصناعة الدفاعية الأوروبية، ضمن خطة “إعادة تسليح أوروبا 2030” الأوسع التي تستهدف حشد أكثر من 800 مليار يورو في الإنفاق الدفاعي على مستوى القارة.
وكانت بولندا أول دولة تحصل على تمويل من البرنامج، بتوقيع اتفاقية بقيمة 43.7 مليار يورو (51.5 مليار دولار)، تمثل أكبر حصة من البرنامج، لتستخدم في تحديث الجيش وتعزيز قدراته الدفاعية، بما في ذلك مشروع “الدرع الشرقي” الحدودي، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، والدفاع الجوي.
الدول الرائدة في الإنفاق الدفاعي
تتصدر دول شرق أوروبا، القريبة من روسيا قائمة أكبر المنفقين على الدفاع، منها بولندا التي تنفق أكثر من 4% من ناتجها المحلي على الدفاع، وتخطط لرفعه إلى 4.7%، مع التزام برفع الإنفاق إلى 5% بحلول 2035.
وترفع كلا من إستونيا ولاتفيا الإنفاق إلى 5.4% و4.9% من الناتج المحلي على التوالي، وأيضا رومانيا، تخطط لتخصيص متوسط 3.4% من الناتج المحلي للدفاع، وحصلت على ثاني أكبر تمويل من برنامج SAFE بقيمة 16.7 مليار يورو.
أما ألمانيا، فشهدت زيادة قياسية في الإنفاق العسكري بنسبة 24% عام 2025، ليصل إلى 114 مليار دولار، متجاوزةً عتبة 2% من الناتج المحلي لأول مرة منذ 1990، مع التزام برفع الإنفاق إلى 3.5% بحلول 2029.
التركيز على الإنتاج الدفاعي المشترك
لا يقتصر التحول على الإنفاق فقط، بل يمتد إلى تعزيز التعاون الصناعي والإنتاج المشترك، حيث أقرت المفوضية الأوروبية برنامج عمل صندوق الدفاع الأوروبي لعام 2026 بميزانية مليار يورو، لتطوير قدرات دفاعية مشتركة تشمل صواريخ اعتراضية للصواريخ فرط الصوتية، ودبابات قتال رئيسية، وقاذفات صواريخ متعددة، وأنظمة دفاع جوي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويهدف الصندوق، الذي مول 224 مشروعاً بأربعة مليارات يورو منذ انطلاقه عام 2021، إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء وتقليل الاعتماد على المنتجات الدفاعية الأجنبية، مع التركيز على إنتاج أسلحة قابلة للتطوير السريع بدلاً من المنتجات الباهظة الثمن صعبة التوسع.
صراع الناتو والاتحاد الأوروبي على الصناعة الدفاعية
في خلفية هذا التحرك، هناك خلاف بين الناتو والاتحاد الأوروبي حول السيطرة على الإنفاق الدفاعي الأوروبي. فبينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز النهج “اشترِ أوروبي” من خلال سياسة صناعية شاملة، يفضل الناتو بقاء العلاقات الدفاعية عبر الأطلسي، مع استمرار الاعتماد على واشنطن في النقل الاستراتيجي والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
مستقبل الدفاع الأوروبي
ويتجه النقاش في أوروبا نحو تمويل مشترك إضافي للدفاع، والاستفادة من نافذة الفرص حتى عام 2030 لسد الفجوات الاستراتيجية في القدرات الدفاعية والأمنية. كما يُنظر إلى انضمام أوكرانيا إلى منظومة الدفاع الأوروبية كخطوة محتملة لتعزيز القدرات، خاصة في مجال الطائرات المسيرة والتكنولوجيا القتالية الحديثة.
في النهاية، يبدو أن أوروبا عاقدة العزم على بناء جيشها الخاص، ليس فقط لمواجهة التهديدات الحالية، بل لضمان ألا تظل رهينة لقرارات الآخرين في مستقبلها الأمني.