في الوقت الذي يجتمع فيه قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) هذا الأسبوع في أنقرة لعقد قمتهم السنوية، يواجه الحلف الذي يبلغ من العمر 77 عاماً تحولاً جذرياً غير مسبوق. ورغم الحرص على إظهار “الوحدة التي لا تتزعزع” عبر الصور الاحتفالية والمصافحات، فإن خلف الكواليس تعصف بالحلف خمسة جبهات مفتوحة تهدد مستقبله وتماسكه.
الجبهة الأولى: روسيا.. التهديد الوجودي
لا يزال التهديد الروسي يمثل المحرك الأساسي للحلف، مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد المخاوف من تحركات عسكرية روسية محتملة تجاه دول البلطيق أو بولندا. ورغم تعهدات الحلفاء بتعزيز الوجود العسكري على الجبهة الشرقية، تبقى التساؤلات حول قدرة الناتو على الردع الفعال في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع موسكو. وتزداد المخاوف مع تقليص الولايات المتحدة وجودها العسكري في أوروبا، مما يترك فجوات دفاعية خطيرة قد تستغلها روسيا.
الجبهة الثانية: عداء ترامب لأوروبا
يمثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جبهة بحد ذاته، بمواقفه المتقلبة وتهديداته المتكررة بالانسحاب من الناتو أو تقليص المساهمات الأمريكية. فبعد أن وصف مساهمة بلاده في الحلف بأنها “سخيفة”، واعترف بأن حضوره للقمة هو فقط “احترام” للرئيس التركي أردوغان، يعيش الحلفاء حالة من القلق المستمر من أي نوبة غضب ترامبية قد تغير مسار التحالف دفعة واحدة. وتتفاقم المخاوف مع إعلان واشنطن تقليص قدراتها الدفاعية المقدمة للحلفاء، مما يدفع أوروبا إلى الاستعداد لقيادة الناتو وحدها، وإن كانت غير جاهزة بالكامل بعد.
الجبهة الثالثة: الشرق الأوسط.. أزمة تمزق الحلف
يمثل انقسام مواقف الدول الأعضاء تجاه الأزمة في الشرق الأوسط جبهة جديدة ومؤلمة. فبينما تدعم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشكل أو بآخر سياسات إسرائيل، تتبنى دول أخرى مثل تركيا مواقف مختلفة تماماً. كما أن الاتفاق الهش بين واشنطن وإيران بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز أظهر خلافات عميقة داخل الحلف حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني. ويخشى المحللون من أن يؤدي انكشاف هذه الخلافات إلى إضعاف تماسك الحلف في وقت يحتاج فيه إلى أقصى درجات الوحدة.
الجبهة الرابعة: الحرب الهجينة.. العدو غير المرئي
تواجه دول الناتو هجمات هجينة متزايدة تشمل الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، والتخريب للبنية التحتية الحيوية. وتتهم الدول الأعضاء روسيا بالوقوف خلف الكثير من هذه العمليات، التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وإضعاف الثقة في المؤسسات الديمقراطية. ورغم إنشاء مراكز متخصصة لمواجهة هذه التهديدات، تبقى الاستجابة غير متناسقة بين الدول الأعضاء، مما يخلق ثغرات يمكن للخصوم استغلالها.
الجبهة الخامسة: الانسحاب الأمريكي والقيادة الأوروبية
يُعد التقليص التدريجي للالتزامات الأمريكية في أوروبا، والتحول نحو قيادة أوروبية للحلف، الجبهة الأكثر تعقيداً. فبينما تطالب واشنطن الحلفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، تعلن في الوقت نفسه تقليص مساهمتها العسكرية. وتجد أوروبا نفسها أمام تحدي مزدوج: ملء الفراغ الدفاعي الأمريكي، وتعزيز صناعتها العسكرية للاستغناء عن التسليح الأمريكي، مع الحفاظ على تماسك الحلف في مواجهة التهديدات الخارجية.
مستقبل الناتو بين أنقرة والتصدع
في هذا السياق المتوتر، تنعقد قمة أنقرة وسط آمال أوروبية بأن تكون “جميلة ومملة”، خالية من المفاجآت الأمريكية. لكن المحللين يرون أن التحولات الجارية قد تغير وجه الناتو إلى الأبد، سواء نحو أوروبا أقوى وأكثر استقلالية، أو نحو تصدع يضعف الردع الجماعي أمام خصوم الحلف.