دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين مرحلة جديدة من التوتر بعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي وجه خلالها انتقادات حادة لعدد من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع تركيز خاص على إسبانيا، التي وصفها بأنها “قضية خاسرة ” بسبب موقفها من الإنفاق الدفاعي. وأعادت هذه التصريحات إلى الواجهة الجدل القديم بشأن تقاسم الأعباء داخل الحلف ومستقبل الشراكة الأمنية بين ضفتي الأطلسي.
تحديات أمنية تواجه الناتو
وتأتي الأزمة في وقت يواجه فيه الناتو تحديات أمنية متزايدة، بدءًا من الحرب المستمرة في أوكرانيا، مرورًا بالتوترات في الشرق الأوسط، وصولًا إلى المخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني وسباق التسلح العالمي. وفي ظل هذه الظروف، يرى ترامب أن على الدول الأوروبية تحمل مسؤولية أكبر في تمويل دفاعها، بدلًا من الاعتماد بدرجة كبيرة على القدرات العسكرية الأمريكية.
إسبانيا محور الخلاف الحالي لعدة أسباب
وأصبحت إسبانيا محور الخلاف الحالي لعدة أسباب. أولها رفض الحكومة الإسبانية تأييد هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المستوى الذي يدعو ترامب إلى اعتماده داخل الحلف. وتؤكد مدريد أن التزامها الحالي كافٍ لتلبية متطلبات الدفاع الوطني والمساهمة في أمن الناتو، معتبرة أن زيادة الإنفاق إلى هذا المستوى قد تفرض ضغوطًا اقتصادية كبيرة على الموازنة العامة.
أما السبب الثاني فيرتبط بوجود تباينات سياسية بين واشنطن ومدريد بشأن بعض الملفات الدولية والأمنية. فالحكومة الإسبانية تبنت في أكثر من مناسبة مواقف أكثر حذرًا تجاه بعض التحركات العسكرية التي تدعمها الولايات المتحدة، وهو ما اعتبرته دوائر أمريكية دليلاً على اختلاف في الأولويات الاستراتيجية بين الطرفين.
ويتمثل السبب الثالث في البعد السياسي والإعلامي للأزمة. فترامب اعتاد خلال مسيرته السياسية تسليط الضوء على دولة أو جهة بعينها لتجسيد المشكلة التي ينتقدها. وفي هذه الحالة، أصبحت إسبانيا بالنسبة له نموذجًا للدول التي يرى أنها لا تقدم مساهمة مالية كافية في الدفاع الجماعي للحلف، رغم استمرار مشاركتها في عدد من المهام والعمليات التابعة للناتو.
ورغم حدة التصريحات الأمريكية، جاء الرد الأوروبي أكثر هدوءًا وحذرًا. فقد أكدت الحكومة الإسبانية أن بلادها لا تزال شريكًا موثوقًا داخل الحلف، وأن مساهمتها لا تقاس فقط بنسبة الإنفاق العسكري، بل أيضًا بالمشاركة الفعلية في العمليات والمهام المشتركة. كما شددت مدريد على أن التزامها بأمن الحلف لم يتغير، وأن الخلاف يقتصر على آليات التمويل ومستويات الإنفاق.
تجنب التصعيد مع واشنطن
وفي بقية العواصم الأوروبية، ساد توجه يدعو إلى تجنب التصعيد مع واشنطن. فبدلاً من الرد على ترامب بلهجة مماثلة، ركز المسؤولون الأوروبيون على إبراز الزيادة الكبيرة التي شهدتها ميزانيات الدفاع في السنوات الأخيرة، خاصة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتشير البيانات إلى أن العديد من الدول الأوروبية رفعت إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، بينما اقترب عدد متزايد من الأعضاء من تحقيق الأهداف التي حددها الناتو سابقًا.
كما حرص قادة أوروبا على التأكيد أن قوة الحلف تعتمد على وحدة أعضائه وتماسكهم في مواجهة التهديدات المشتركة. وفي هذا السياق، شدد مسؤولو الناتو على أن الدول الأوروبية حققت تقدمًا ملموسًا في تعزيز قدراتها الدفاعية، وأن التعاون بين ضفتي الأطلسي لا يزال يشكل حجر الأساس للأمن الغربي.
وفي الوقت نفسه، أثارت تصريحات ترامب نقاشًا أوسع داخل أوروبا حول ضرورة تعزيز الاستقلالية الدفاعية للقارة. فبعض الأصوات السياسية ترى أن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة يجعل الأمن الأوروبي عرضة للتقلبات السياسية في واشنطن، بينما يدعو آخرون إلى تطوير صناعات الدفاع الأوروبية وتعزيز التعاون العسكري بين دول الاتحاد الأوروبي دون المساس بدور الناتو.
ومع استمرار الجدل، تبدو العواصم الأوروبية حريصة على احتواء الخلاف وعدم السماح له بالتحول إلى أزمة تهدد وحدة الحلف. فالتحديات الأمنية الحالية، من الحرب في أوكرانيا إلى الاضطرابات الإقليمية المتزايدة، تجعل الحفاظ على تماسك الناتو أولوية مشتركة لجميع أعضائه.
وبينما يواصل ترامب الضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، تسعى أوروبا إلى الموازنة بين الاستجابة للمطالب الأمريكية والحفاظ على أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الخلافات ستظل في إطار السجال السياسي المعتاد، أم أنها ستقود إلى إعادة رسم العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا داخل أهم تحالف عسكري في العالم.