يُعد قطاع التمويل العقاري أحد الركائز الأساسية لدعم الاستقرار الاجتماعي وتحقيق النمو الاقتصادي، خاصة في ظل الزيادة السكانية المطردة وارتفاع الطلب على الوحدات السكنية، ورغم الجهود التي تبذلها الدولة لتطوير هذا القطاع وتوسيع مظلته، إلا أن الواقع العملي يكشف عن وجود تحديات جوهرية تعوق انطلاقه بالكفاءة المطلوبة وتحد من قدرته على استيعاب الطلب المتزايد.
وخلال اجتماعها اليوم الأربعاء، أوصت لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب برئاسة النائب طارق شكري، الحكومة بسرعة إنهاء أزمة عملاء بنك التعمير والإسكان، من حاجزي وحدات الإسكان الاجتماعي المتعثرين في سداد أقساط الوحدات، لمدة تتراوح من سنة إلى 3 سنوات.
جاء ذلك في ضوء مناقشة اللجنة لطلب الإحاطة المقدم من أحمد فرغلي بشأن تضرر عدد كبير من عملاء بنك التعمير والإسكان الحاصلين على وحدات سكنية بنظام التمويل العقاري التابع لصندوق دعم التمويل العقاري بفائدة 5% و7%، من محدودي الدخل، رغم استمرارهم في السداد.
وشددت اللجنة، على أهمية فتح باب التسويات للمتعثرين، وإعادة النظر في آليات السداد والفوائد، مع تقديم حلول مرنة للفئات الأكثر تضررا، لاسيما من تجاوزوا فترات تعثر طويلة.
وقال النائب أحمد فرغلي، أن مشكلة بورسعيد في الأساس هي مشكلة إسكان مشيرا إلى أن بنك التعمير والإسكان كان البنك المهيمن على التعامل مع وحدات الإسكان الاجتماعي بالمحافظة منذ عام 2016، حيث تولى إدارة نحو 10 آلاف وحدة سكنية، مضيفا أن هناك حاليا نحو 602 حالة تعثر في السداد.
ولفت إلى أن البنك أغلق حسابات التعامل مع بعض العملاء، كما تم احتساب الفوائد على كامل قيمة القرض، بما أدى إلى زيادة الأعباء على المواطنين بما يقارب 3 آلاف جنيه يتحملها كل مستفيد.
وطالب بضرورة إيجاد حلول عاجلة لهذه الفئة، مؤكدين أن العديد من المواطنين لن يتمكنوا من ترك وحداتهم السكنية، وأن الحلول يجب أن تراعي الظروف الاقتصادية وقدراتهم المالية، مشيرا إلى ضرورة فتح باب التسويات للمتعثرين، ودراسة أوضاعهم حالة بحالة، مع وضع ضوابط من صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري تمنع التصرف في الوحدات إلا بعد سداد المستحقات، مع دراسة آليات جدولة المديونيات.
وتفيد التقديرات بأن نحو 90% من المعروض العقاري في السوق المصرية يتمثل في وحدات تحت الإنشاء، وهو ما يحد بشكل مباشر من قدرة منظومة التمويل العقاري على التدخل الفعّال، ويرجع ذلك إلى عدم تفعيل آلية تمويل هذا النوع من الوحدات، رغم النص عليها قانوناً منذ عام 2001، وتوقف العمل بها فعليا منذ عام 2008، هذا التعطيل أدى إلى خروج النسبة الأكبر من السوق خارج مظلة التمويل الرسمي، ودفع المواطنين والمطورين للاعتماد على حلول تمويلية بديلة خارج المنظومة المصرفية.
كما لا تزال منظومة تسجيل العقارات تمثل عائقاً رئيسياً أمام توسع نشاط التمويل العقاري. فعلى الرغم من التعديلات التشريعية التي أُدخلت على قانون الشهر العقاري في عام 2023، إلا أنها لم تنعكس بشكل ملموس على أرض الواقع. وتستمر الإجراءات في الاتصاف بالتعقيد وطول المدة، بما يحد من قدرة المواطنين على تسجيل وحداتهم السكنية، ويُضعف في الوقت نفسه من الضمانات التي تحتاجها جهات التمويل لضخ قروض جديدة في القطاع.
ارتفاع أسعار الفائدة على الوحدات السكنية
وزادت التحديات حدة مع الارتفاع الملحوظ في أسعار الفائدة خلال الفترة الأخيرة، فقد ارتفع القسط الشهري لوحدة سكنية بقيمة مليون جنيه من نحو 15 ألف جنيه عند مستوى فائدة 14%، إلى ما يقارب 30 ألف جنيه مع تجاوز الفائدة 30%، وهذا الارتفاع ضاعف الأعباء التمويلية على كاهل المواطنين، ورفع الحد الأدنى للدخل المطلوب للحصول على التمويل من نحو 30 ألف جنيه إلى ما يقارب 60 ألف جنيه، وانعكس ذلك سلبا على القدرة الشرائية للأسر، وأدى إلى تراجع ملحوظ في أعداد المستفيدين من برامج التمويل العقاري.
وفيما يتعلق بمبادرات التمويل المدعومة من الدولة، تواجه هذه المبادرات تحديات تتعلق بعدم ملاءمة حدود أسعار الوحدات مع المستويات الحالية للأسعار في السوق. فالحد الأقصى لقيمة الوحدة في بعض المبادرات لا يتجاوز نحو 2.5 مليون جنيه، وهو سقف يقلل من فعالية المبادرة ويحد من نطاق المستفيدين منها، خاصة في المدن الجديدة والمناطق ذات الطلب المرتفع.
ويشهد هيكل السوق اختلالاً واضحاً في توزيع الأدوار بين أطراف المنظومة. ففي ظل محدودية دور جهات التمويل المتخصصة، اضطرت شركات التطوير العقاري للقيام بدور الممول من خلال تقديم نظم تقسيط طويلة الأجل للعملاء.
ويأتي ذلك رغم وجود ما يقارب 50 جهة تمويلية بين بنوك وشركات، وهو ما يمثل عبئا تمويليا إضافيا على المطورين ويزيد من مخاطر السوق، كما يفتقر القطاع حاليا إلى نظام رقمي موحد لتسجيل وتتبع الوحدات الممولة، وهو ما كان من شأنه منع التمويل المزدوج وتعزيز الشفافية وحماية حقوق جميع الأطراف.
تحديات هيكلية تواجه سوق التمويل العقاري في مصر
في أبريل الماضي، كان النائب أيمن محسب، وكيل لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، تقدم بطلب إحاطة موجه إلى كل من رئيس مجلس الوزراء، ووزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، ومحافظ البنك المركزي المصري، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية، بشأن التحديات الهيكلية التي تواجه سوق التمويل العقاري في مصر، وتعطل الاستفادة منه كأداة رئيسية لتمكين المواطنين من تملك الوحدات السكنية، رغم تزايد الطلب ووجود أطر تشريعية منظمة للنشاط.
وطالب النائب أيمن محسب الحكومة بإعلان خطة زمنية واضحة لتفعيل تمويل الوحدات تحت الإنشاء مع وضع الضوابط اللازمة لحماية حقوق جهات التمويل والعملاء، إلى جانب تيسير إجراءات تسجيل العقارات من خلال تبسيط الدورة المستندية وتحديد مدة زمنية ملزمة لإتمام التسجيل، والإسراع في ميكنة المنظومة وربطها إلكترونيا بكافة الجهات المعنية.
وأكد النائب أيمن محسب أن معالجة هذه التحديات عبر تفعيل تمويل الوحدات تحت الإنشاء، وتبسيط إجراءات التسجيل، ومراجعة حدود مبادرات التمويل المدعوم، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة، ستكون المفتاح الحقي لإطلاق طاقات القطاع وتحويله إلى أداة فاعلة لتحقيق الاستقرار السكني والنمو الاقتصادي.