حرائق العالم وثلوج الأرجنتين وأمطار الهند.. اشتعال النيران في غابات بإسبانيا وفرنسا واليابان يسبب مقتل الآلاف.. ثلوج الأرجنتين القارسة وفيضانات الهند المدمرة.. الكوكب يدفع ثمن التغير المناخى فى صيف 2026

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مشهد يعكس تناقضات الطبيعة في عصر التغير المناخي، ينقسم العالم بين ثلاثة أطراف متطرفة: نصف يغلي تحت وطأة موجات حر قاتلة، ونصف يتجمد في برد قطبي استثنائي، وثالث يغرق تحت وابل من أمطار موسمية لم تشهدها البلاد منذ عقود. بينما تشتعل حرائق الغابات في أوروبا واليابان، وتتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية، وتغرق باتاجونيا في صقيع قارس عند -20 درجة، تغمر الفيضانات الهند وتجبر الملايين على ترك منازلهم.

 

أوروبا تحت النار

تشهد أوروبا واحدة من أسوأ موجات الحر في تاريخها، مع درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا. اندلعت حرائق غابات ضخمة في منطقة البحر المتوسط، أبرزها في إسبانيا حيث أعلنت الحكومة حالة الطوارئ الوطنية في مدريد وأفيلا ، مع إجلاء أكثر من 11,500 شخص، وحرق أكثر من 120 ألف هكتار منذ بداية العام، أي ثلاثة أضعاف المساحة المحترقة في 2025. وطلبت الحكومة الإسبانية مساعدة جوية عاجلة من الاتحاد الأوروبي، وسط تقارير عن مقتل العشرات وإصابة المئات بحالات اختناق وحروق.

 

اليابان تسجل أرقامًا قياسية

في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تواجه اليابان موجة حر غير مسبوقة، حيث سجلت درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية في عدة مناطق، مع تحذيرات من “أيام حرارة قاسية” (كوكشوبي). وأسفرت الموجة عن مقتل 14 شخصًا وإصابة أكثر من 10,857 آخرين بضربات شمسية خلال أسبوع واحد، مع تسجيل رقم قياسي في حالات نقل المصابين إلى المستشفيات في طوكيو (453 حالة في يوم واحد). وتلقت خدمات الطوارئ 3,612 مكالمة في يوم واحد، مما دفع السلطات لإصدار تحذير بنقص سيارات الإسعاف، وسط انقطاع التيار الكهربائي في بعض المناطق وتضرر شبكات الاتصالات.

 

أمريكا بين النار والثلج

في الولايات المتحدة، تعاني مناطق واسعة من موجة حر شديدة في الغرب، مع درجات حرارة تجاوزت 45 درجة مئوية في كاليفورنيا وأريزونا، مما تسبب في حرائق غابات ضخمة وانهيار شبكات الكهرباء. في الوقت نفسه، تشهد السواحل الشرقية والشمالية موجة برد قطبي مع عواصف ثلجية قاتلة، حيث أودت بحياة 19 شخصًا في نيويورك وواشنطن، مع درجات حرارة وصلت إلى 45 درجة تحت الصفر في بعض المناطق، وإلغاء أكثر من 12,500 رحلة جوية في يوم واحد.

 

برد قارس وثلوج تغطى الأرجنتين

بينما يغلي النصف الشمالي من الكوكب، يعاني النصف الجنوبي من موجات برد استثنائية. في الأرجنتين، تواصل محافظة سانتا كروز معاناتها من موجة برد قطبية، مع درجات حرارة وصلت إلى 20 درجة تحت الصفر في بلدة فاكوندو ومدن أخرى مثل ريو جاليجوس وإل كالافاتي. وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية (SMN) حالة التأهب القصوى (الإنذار الأحمر) للمحافظة بأكملها، مع تحذيرات من استمرار الموجة القطبية لعدة أيام.

 

أزمة الغاز في فاكوندو

في بلدة فاكوندو الصغيرة، تعكس الصور قسوة الشتاء، حيث يعاني السكان من انقطاع خدمة الغاز الطبيعي في ظل درجات حرارة تصل إلى -20 درجة مئوية. وتجمع العائلات حول مدافئ الحطب المؤقتة، بينما يواجه الأطفال وكبار السن خطر انخفاض حرارة الجسم. وتجمّدت الأنابيب، وانقطع التيار الكهربائي في بعض المناطق، وعزلت الثلوج الكثيفة البلدة عن المدن المجاورة، مما صعّب وصول الإمدادات الغذائية والطبية. لا تقتصر موجة البرد على جنوب الأرجنتين، بل تمتد آثارها نحو الشمال الغربي (NOA) ومنطقة كويو، حيث تساقطت ثلوج كثيفة تجاوز ارتفاعها 3-4 أمتار في سلسلة جبال مندوزا. وتشير التوقعات إلى استمرار تساقط الثلوج في المناطق المنخفضة من جنوب تشوبوت ومحافظة سانتا كروز، مع تحذيرات من عواصف ثلجية (رياح بيضاء) تقلل الرؤية بشكل كبير، مع رياح تصل سرعتها إلى 100 كيلومتر في الساعة.

 

الهند تغرق تحت الأمطار

بينما يحترق العالم ويتجمد، تغرق الهند تحت وابل من الأمطار الموسمية التي لم تشهدها منذ عقود. ضربت فيضانات وانهيارات أرضية عنيفة شمال وشرق الهند، مدفوعة بأمطار غزيرة غير مسبوقة، مما أسفر عن مقتل العشرات وتشريد الملايين.
في ولاية آسام شمال شرق البلاد، تجاوز عدد القتلى 41 شخصًا، وتضرر أكثر من 900 ألف شخص في أكثر من 1,800 قرية، مع نزوح أكثر من 700 ألف عن منازلهم وإقامة 150 مخيمًا لإيواء نحو 30 ألف نازح. وغمر فيضان نهر براهمابوترا، أحد أكبر أنهار آسيا، القرى وجرف المنازل، مع تحذيرات السلطات من تفاقم الوضع في المناطق المنخفضة مع استمرار هطول الأمطار.

وفي ولاية جوجارات غرب البلاد، سجلت منطقة فالساد أكثر من 1,100 ملم من الأمطار في أقل من 24 ساعة، مما تسبب في فيضانات مفاجئة غمرت الطرق وقطعت السكك الحديدية والكهرباء، وأنقذت فرق الطوارئ نحو 1,200 شخص، مع تحذيرات من استمرار الأمطار الغزيرة في الأيام المقبلة.

وفي كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، لقي 15 شخصًا على الأقل مصرعهم في حوادث مرتبطة بالأمطار في مناطق بونش وراجوري ودودا، مع الإبلاغ عن عدة مفقودين. وفي ولاية ناجالاند، أودت انهيارات أرضية متعددة بحياة 9 أشخاص. كما أعلنت السلطات في ولاية ماهاراشترا الغربية مقتل 13 شخصًا في انهيارات أرضية وفيضانات خلال 48 ساعة فقط.
وحذرت هيئة الأرصاد الجوية الهندية من استمرار الأحوال الجوية النشطة فوق شمال وشرق وشمال شرق الهند خلال الأيام الستة أو السبعة المقبلة، مع توقعات بهطول أمطار غزيرة في بعض المناطق.

 

التغير المناخي.. العدو المشترك

يجمع خبراء المناخ على أن هذه التقلبات الحادة، من موجات حر قياسية إلى برد قارس وفيضانات مدمرة، ليست سوى انعكاس واضح لتداعيات التغير المناخي. ويؤكدون أن الاحتباس الحراري يُضعف التيارات النفاثة ويُحدث اضطرابات في أنماط الطقس، مما يؤدي إلى تقلبات عنيفة بين الحر والبرد والفيضانات في مناطق مختلفة من العالم. ويرى خبراء أن التغير المناخي يُكثف الرياح الموسمية في جنوب آسيا، حيث أصبحت الأمطار، التي كانت يمكن التنبؤ بها، تصل الآن في هبات غير منتظمة تُطلق كميات هائلة من المياه في فترات قصيرة تليها فترات جفاف.

بين جحيم الحر في أوروبا واليابان وأمريكا، وقطب الجليد في باتاجونيا، وفيضانات الهند المدمرة، يظل الإنسان عالقًا في مواجهة قوى الطبيعة المتطرفة. إنها دعوة صارخة للعالم بأسره للاستعداد لمواجهة ظروف مناخية أكثر تطرفًا، من خلال تعزيز شبكات الطاقة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وبناء مجتمعات قادرة على الصمود في وجه التقلبات المناخية. فالكوكب لم يعد يعرف الاعتدال، والمسألة لم تعد مجرد أرقام على موازين الحرارة، بل حياة ومستقبل مليارات البشر.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً