مع إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) أنه يقدم المساعدة للسلطات المحلية التي تتعامل مع وفاة ليندسي غراهام، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي البارز وحليف الرئيس الأمريكي المقرب دونالد ترامب، ثارت تكهنات مدفوعة بنظريات المؤامرة حول احتمال وجود شبهة جنائية في رحيله المفاجئ إثر أزمة قلبية.
غراهام، الذي توفي عن عمر ناهز 71 عاماً بسبب «مرض قصير ومفاجئ» ليلة السبت، كان قد عاد مؤخراً من رحلة إلى أوكرانيا وكان يسعى للفوز بولاية خامسة مدتها ست سنوات في مجلس الشيوخ، بينما اشتهر بأنه كان يقود جهود مشروع قانون فرض العقوبات على روسيا، كما كان مؤيداً شرساً للحرب على إيران.
وصرح كاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن جهازه يقدم المساعدة للسلطات المحلية، وقد وفر كل الموارد اللازمة، لكن لم يكن واضحاً كيف سيساعد مكتب التحقيقات الفيدرالي، أو ما إذا كان هناك تحقيق رسمي حول أسباب الوفاة.
واستُدعيت فرق الطوارئ إلى منزل غراهام في كابيتول هيل ليلة السبت للاستجابة لحالة توقف قلب، فيما جرى نقله من منزله عبر نقالة إلى سيارة إسعاف.
وكان غراهام، الذي أمضى حياته المهنية الطويلة في الدعوة إلى سياسة خارجية أمريكية أكثر حزماً، صوتاً مؤثراً في الحزب الجمهوري، وقد شغل منصب عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كارولاينا الجنوبية منذ عام 2003. كما كان أحد أكثر حلفاء ترامب ثباتاً في مجلس الشيوخ الأمريكي، ومؤيداً قوياً للحرب ضد إيران، ومؤيداً راسخاً لحلف الناتو وإسرائيل.
الرحلة العاشرة والأخيرة لأوكرانيا
وفي العاشر من يوليو/ تموز، عاد من رحلة إلى كييف، حيث التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وأعلن عن حزمة عقوبات منقحة تستهدف روسيا، وتمنح الولايات المتحدة سلطة معاقبة أو فرض تعريفات جمركية على الدول التي تشتري النفط أو الغاز الروسي.
كانت هذه الرحلة العاشرة لغراهام إلى أوكرانيا التي مزقتها الحرب منذ الغزو الروسي في عام 2022. ووصف زيلينسكي السيناتور الراحل بأنه «مدافع حقيقي عن الحرية والقيم التي تجعل عالمنا أكثر أمانًا».
مطالبات بإجراء تحقيق شامل
دعا ويليام براودر، وهو ممول بريطاني أصبح هدفاً لجهات روسية إلى ضرورة إجراء «جميع الاختبارات» «على الفور لاستبعاد وجود أي عمل غير مشروع بشأن الوفاة. وأضاف عبر منصة إكس: «لا أريد أن أكون من أنصار نظرية المؤامرة، لكن ليندسي غراهام كان المحرك الرئيسي لمشروع قانون العقوبات المدمر ضد روسيا. وبالأمس، أعلن أن الرئيس ترامب وافق عليه.»
وأضاف: «لقد عاد لتوه من أوكرانيا، حيث من المعروف أن عملاء روس يعملون هناك. الروس خبراء في إعطاء السموم التي تبدو وكأنها نوبات قلبية.»
كما أشارت ميغان موبس، ابنة الجنرال كيث كيلوغ، المبعوث الخاص السابق لترامب إلى أوكرانيا، إلى احتمال تورط جهات روسية. وقالت إنه على الرغم من أن وفاة غراهام قد تكون طبيعية، إلا أنه من المعقول طرح المزيد من الأسئلة «بالنظر إلى السياق الجيوسياسي الحالي والخصوم الذين واجههم بقوة».
وأضافت موبس: «إن زعزعة الاستقرار من خلال الغموض هي ما تزدهر فيه روسيا. إن غياب الإجابات يخلق على وجه التحديد حالة عدم اليقين والشك والانقسام التي أمضت موسكو سنوات في تعلم استغلالها».
تهديد إيراني علني باستهدافه
ولم يتم الكشف علناً عن أي دليل على وجود جريمة بشأن وفاة غراهام.
وقال ترامب لشبكة إن بي سي الأحد إنه تحدث مع غراهام عبر الهاتف بعد عودته من أوكرانيا. وأضاف: «بدا عليه التعب قليلاً، لكنه كان في حالة ممتازة».
كما كان غراهام من الدعاة المتشددين للتدخل العسكري الخارجي، وقد سعى جاهداً للمواجهة المباشرة مع إيران. وكان مؤيداً قوياً لتغيير النظام والعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بحسب صحيفة التليغراف.
وفي السادس من يوليو، نشر غراهام صوراً من طهران لأشخاص يحملون لافتات عليها علامة حمراء على رأسه، كُتب عليها: «عاجلاً أم آجلاً ستُقطع رؤوسكم». واستخف غراهام بالتهديد وكتب: «على الأقل استخدموا صورة جيدة لي».
فرحة إيرانية برحيله
بعد الإعلان عن وفاته، ابتهج مذيع الأخبار في التلفزيون الإيراني الرسمي، واصفاً السيناتور بأنه «محتفل بتدمير إيران، وحامي النظام الصهيوني»، في إشارة إلى إسرائيل. وأضاف: «لقد ذهب ليندسي غراهام إلى الجحيم أخيراً».
وكان غراهام مؤيداً قوياً لحلف الناتو ومدافعاً شرساً عن الحرب في إيران وفي كلمة تأبينية، وصف ترامب محامي القوات الجوية الأمريكية السابق بأنه «واحد من أعظم الأشخاص وأعضاء مجلس الشيوخ الذين عرفتهم على الإطلاق» و«كأحد أفراد العائلة». وأضاف على شبكته الاجتماعية «تروث سوشيال» الأحد: «كان يعمل دائماً، وكان وطنياً أمريكياً حقيقياً. سنفتقد ليندسي كثيراً!».
تداعيات على تشريعات محتملة
وسيكون لوفاة غراهام المفاجئة تداعيات على التشريعات التي يقودها الجمهوريون في مجلس الشيوخ، حيث يتمتع الجمهوريون بالفعل بهامش ضئيل متوتر بسبب غياب السيناتور ميتش ماكونيل قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وبموجب قانون ولاية كارولينا الجنوبية، سيقوم هنري ماكماستر، الحاكم الجمهوري، بتعيين بديل مؤقت لغراهام، فيما بدأ عدد من الأسماء الجمهورية بالتداول كبدائل محتملة لإكمال ما تبقى من ولاية غراهام، بما في ذلك ممثلا مجلس النواب نانسي ميس وراسل فراي.
وينص قانون ولاية كارولينا الجنوبية على إجراء انتخابات تمهيدية خاصة في 11 أغسطس، مع إمكانية إجراء جولة إعادة في 25 نفسه لاختيار مرشح.
محاولة رئاسية طموحة
انتُخب غراهام لأول مرة لعضوية الكونغرس في عام 1994، قبل أن يفوز بمقعده في مجلس الشيوخ في عام 2002. وكان أعزب ويعيش في سينيكا، كارولاينا الجنوبية. وقدّم هو الآخر محاولة طموحة للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2016، والذي ذهب إلى ترامب. وحذّر الجمهوريين آنذاك قائلاً: «إذا رشّحنا ترامب، فسوف نُدمّر.. وسنستحق ذلك».
لكن بمجرد فوز ترامب بالبيت الأبيض، أصبح غراهام أحد أكثر مؤيديه جدارة بالثقة وشريكه في لعبة الغولف. وفي مقابلة أجريت عام 2018، قال عن علاقته بترامب إنه حاول أن يكون مفيداً لأنه «أعتقد أنه بحاجة إلى كل المساعدة التي يمكنه الحصول عليها». وأضاف: «يمكنك أن تكون ناقداً أفضل عندما يفهم الناس أنك تحاول مساعدتهم على النجاح».
ودافع غراهام عن ترامب خلال محاكمتي عزله، لكن يبدو أنه انفصل عنه بعد الهجوم الذي وقع في 6 يناير 2021 على مبنى الكابيتول. وقال في خطاب ألقاه أمام مجلس الشيوخ في تلك الليلة: «لا تحسبوني خارجاً. لقد طفح الكيل». لكنه سرعان ما عاد إلى صفوف الحزب وظل مقرباً من ترامب طوال فترة ولايته الثانية، ملتزماً إلى حد كبير بتوجهات الرئيس ترامب.
إلا أنه عارض علنًا قرار ترامب في ولايته الثانية بالعفو عن مثيري الشغب في 6 يناير، قائلاً إن ذلك سيؤدي إلى مزيد من العنف. وقال جون باراسو، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية وايومنغ والذي يشغل المرتبة الثانية بين الجمهوريين، إن غراهام سيفتقد بسبب «ذكائه الحاد وضحكته المعدية».
وصفه الحاكم ماكماستر بأنه «لا يمكن الاستغناء عنه» و«أشرس المقاتلين من أجل ولاية كارولينا الجنوبية وأمريكا». وقالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إن غراهام «قاتل حتى النهاية لدعم نضال أوكرانيا من أجل الحرية ورفع تكلفة حرب العدوان الروسية». وأضافت: «لقد عمل بلا كلل لتعزيز العقوبات، بالتنسيق الوثيق مع الاتحاد الأوروبي. قائد حازم وشجاع. سنفتقده بشدة».