بعيدًا عن الاجتماعات السرية والهياكل التنظيمية، يكشف عالم البيوت جانبًا آخر من طريقة عمل جماعة الإخوان الإرهابية. فداخل هذا العالم، لم تقتصر الروابط على الانتماء الفكرى، بل امتدت، بحسب شهادات منشقين، إلى العلاقات الأسرية والمصاهرات، فى إطار سعت الجماعة الإرهابية من خلاله إلى بناء مجتمع مغلق تتشابك فيه الثقة مع القرابة، وتتحول فيه الأسرة إلى أحد روافد استمرارية التنظيم. وتقدم كتابات ثروت الخرباوى وشهادات منشقين آخرين قراءة لهذا الجانب، موضحة أن البنية الداخلية للجماعة لم تعتمد فقط على اللوائح واللقاءات التنظيمية، وإنما أيضًا على شبكة اجتماعية واسعة أحاطت بالعضو منذ انضمامه وحتى تكوين أسرته.
وفى كتابه «قلب الإخوان..محاكم تفتيش الجماعة»، يقدم الكاتب والباحث الدكتور ثروت الخرباوى وصفًا لهذه البنية، معتبرًا أن الجماعة عملت على تكوين ما يشبه المجتمع الموازى، حيث تتشابك العلاقات التنظيمية والاجتماعية داخل إطار واحد، وهو توصيف تكرر أيضًا فى شهادات منشقين آخرين تناولوا تجربة الانتماء إلى الجماعة من الداخل.
الأسرة التنظيمية.. حجر الأساس
يعد نظام الأسرة أحد أقدم الأدوات التنظيمية داخل جماعة الإخوان الإرهابية، إذ يشير المصطلح إلى وحدة تربوية صغيرة تضم عددًا محدودًا من الأعضاء، يتلقون من خلالها برامج تثقيفية وتنظيمية، ويتابعون الأنشطة الداخلية بصورة دورية، ويرى باحثون فى شؤون الحركات الإسلامية أن هذا النظام لم يقتصر على الجانب التربوى، بل ساهم فى بناء روابط اجتماعية وثيقة بين الأعضاء، إذ أصبحت هذه اللقاءات مساحة لتكوين صداقات وعلاقات استمرت لسنوات طويلة.
من العلاقات التنظيمية إلى الروابط الأسرية
بحسب ما أورده ثروت الخرباوى، لم تكن الجماعة تصدر قرارًا عامًا يمنع الزواج من خارجها، لكنها شجعت، عبر ثقافتها الداخلية، على الارتباط بين أبناء التنظيم، باعتباره أكثر توافقًا مع طبيعة الحياة التنظيمية، وأكثر قدرة على تقبل متطلباتها، ويشير الخرباوى إلى أن هذا التوجه أسهم فى تكوين شبكة من المصاهرات بين عدد من الأسر المنتمية للجماعة، بما عزز الروابط الداخلية، وجعل العلاقات الاجتماعية جزءًا من البيئة التنظيمية.
المصاهرة والثقة
فى شهادات عدد من المنشقين، تظهر المصاهرة بوصفها عاملًا يعزز الثقة بين الأعضاء، لا باعتبارها قاعدة تنظيمية مكتوبة، وإنما باعتبارها نتيجة لطبيعة المجتمع الداخلى الذى تشكل داخل الجماعة عبر عقود، ويذهب بعض الباحثين إلى أن التنظيمات المغلقة تميل بطبيعتها إلى الاعتماد على دوائر الثقة، وهو ما قد يفسر انتشار العلاقات الأسرية بين عدد من أعضائها، دون أن يعنى ذلك وجود قاعدة رسمية تلزم جميع المنتمين بهذا النمط.
البيت.. مساحة لنقل الأفكار
وتتفق شهادات عدد من المنشقين على أن الأسرة لعبت دورًا مهمًا فى نقل الأفكار والثقافة التنظيمية إلى الأبناء، سواء من خلال المناخ الأسرى أو المشاركة فى الأنشطة التربوية، وهو ما اعتبروه أحد أسباب استمرار حضور الجماعة عبر أجيال متعاقبة.
مجتمع موازٍ
يصف ثروت الخرباوى هذا الواقع بأنه أقرب إلى مجتمع موازٍ، حيث تتداخل الدراسة والعمل والزواج والأنشطة الاجتماعية داخل دائرة واحدة، الأمر الذى يجعل العضو يقضى جزءًا كبيرًا من حياته بين أبناء الجماعة. وبحسب شهادته، فإن هذا النمط خلق شعورًا بالانتماء إلى مجتمع داخلى له مرجعياته وعلاقاته الخاصة، وهو ما جعل تجربة الخروج من التنظيم، بالنسبة لبعض الأعضاء، أكثر تعقيدًا على المستوى الاجتماعى، وليس التنظيمى فقط.
بين الشهادات والقراءة البحثية
تظل هذه الصورة مستندة بالأساس إلى شهادات منشقين وكتابات باحثين تناولوا الجماعة من الداخل، بينما يرى باحثون آخرون أن دراسة البنية الاجتماعية للتنظيم تمثل أحد المفاتيح لفهم آليات استمراره وتحولاته عبر العقود، وفى جميع الأحوال، يظل ملف “البيت الإخوانى” من الملفات التى تكشف أن التنظيم لم يكن يُقرأ فقط من زاوية السياسة أو النشاط الدعوى، وإنما أيضًا من زاوية العلاقات الاجتماعية التى أحاطت بأعضائه، وأسهمت، بحسب تلك الشهادات، فى تشكيل بيئة تنظيمية مترابطة امتدت آثارها إلى الحياة اليومية والأسرية.