بعد سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية فى أعقاب ثورة 30 يونيو، لم تتوقف محاولات التنظيم لاستهداف الدولة المصرية، بل أعاد صياغة أدواته بما يتلاءم مع المتغيرات، فبعدما اعتمد فى البداية على لجان تنظيمية متخصصة لإدارة الشائعات واستغلال الأزمات المعيشية، انتقل لاحقًا إلى توظيف منصات إعلامية تحمل الخطاب نفسه وتؤدى الدور ذاته، وإن اختلفت المسميات والوسائل.
وتكشف الحلقة 23 من سلسلة فضائح إخوانية كيف مثّلت “لجنة افتعال الأزمات” التى أشرف عليها محمود عزت نقطة الانطلاق لاستراتيجية قائمة على تضخيم الأزمات والحرب النفسية، وكيف تطورت هذه الاستراتيجية مع مرور الوقت لتظهر فى صورة منصات إعلامية وواجهات جديدة تواصل النهج نفسه بأدوات مختلفة.
محمود عزت يقود خطة استنزاف الدولة
عقب سقوط حكم الإخوان عام 2013، تولى القائم بأعمال المرشد العام محمود عزت إدارة التنظيم فى واحدة من أصعب مراحله، وبعد إدراكه تراجع قدرة الجماعة على الحشد، اتجه إلى تبنى سياسة تقوم على استنزاف الدولة من الداخل، من خلال استغلال الأزمات الاقتصادية والخدمية وتحويلها إلى أدوات لإثارة الغضب العام.
وكشفت تحقيقات فى عدد من القضايا المرتبطة بالتنظيم عن وجود لجان نوعية كُلفت بمتابعة الأوضاع اليومية ورصد أى أزمة يمكن استثمارها إعلاميًا وتنظيميًا، بما يخدم أهداف الجماعة فى التشكيك فى أداء مؤسسات الدولة.
تحويل الأزمات إلى وقود للفوضى
واعتمدت الجماعة على خطة منظمة تبدأ برصد أى مشكلة أو أزمة، ثم تضخيمها عبر أدواتها الإعلامية وشبكاتها الإلكترونية، مع الدفع بآلاف الرسائل المتزامنة على مواقع التواصل الاجتماعى لإقناع المواطنين بأن الدولة عاجزة عن إدارة الأوضاع.
وكان الهدف من هذه الآلية خلق حالة من السخط العام، وتحويل المشكلات الطبيعية التى قد تواجه أى دولة إلى أزمات كبرى، بما يؤدى إلى إضعاف الثقة فى المؤسسات ونشر الإحباط بين المواطنين.
ملفات راهنت عليها الجماعة
وركزت لجنة افتعال الأزمات على عدد من الملفات التى تمس الحياة اليومية للمواطنين، من بينها الترويج لشائعات نقص الوقود والبنزين والسولار، والدعوة إلى تخزينها بما يضاعف حالة القلق داخل الأسواق.
كما استغلت الجماعة التقلبات الاقتصادية للترويج لشائعات حول انهيار الاقتصاد وسعر صرف العملة، إلى جانب نشر أخبار غير دقيقة بشأن اختفاء السلع الأساسية مثل السكر والأرز والزيت، فضلًا عن ترويج شائعات تتعلق بالخدمات العامة والمرافق بهدف إثارة الذعر بين المواطنين.
صناعة الأزمة قبل استغلالها
ولم تكتف الجماعة باستثمار الأزمات القائمة، وإنما سعت – وفق ما ورد فى تحقيقات وقضايا مرتبطة بعناصر التنظيم – إلى خلق ظروف تؤدى إلى تفاقمها، من خلال نشر معلومات مجهولة المصدر، والدفع نحو تخزين السلع، وتداول أخبار غير موثقة عن الأسواق والأسعار.
واعتمدت هذه الخطة على دفع المواطنين إلى ردود أفعال تزيد من حدة الأزمات، وهو أحد أساليب الحرب النفسية التى استهدفت المجتمع المصرى.
الكتائب الإلكترونية.. سلاح الشائعات
ولعبت اللجان الإلكترونية التابعة للجماعة دورًا محوريًا فى تنفيذ هذه الخطة، إذ عملت مئات الصفحات والحسابات بصورة منسقة على إعادة نشر الرسائل نفسها، والتركيز على الجوانب السلبية فقط، مع تجاهل أى إجراءات أو حلول تتخذها الدولة.
كما اعتمدت الجماعة على تكرار الشائعات بصورة مستمرة حتى تبدو لدى البعض وكأنها حقائق، وهو الأسلوب الذى استخدمته فى ملفات الأسعار والطاقة والسلع والخدمات طوال السنوات التى أعقبت سقوط حكمها.
اعترافات على عبد الونيس.. الإعلام أداة جديدة لاستهداف الدولة
وتعزز اعترافات الإرهابى على عبد الونيس الصلة بين أساليب اللجان التنظيمية القديمة والأدوات الإعلامية التى تبنتها الجماعة فى السنوات الأخيرة. فبحسب ما ورد فى اعترافاته، كشف عبد الونيس عن وجود ما سمى بـ”لجنة الإعلام والتسريبات”، موضحًا أن مهمتها لم تكن العمل الإعلامى التقليدى، وإنما جمع معلومات عن العاملين فى مؤسسات الدولة، وإنشاء مواقع إخبارية تبدو فى ظاهرها مؤيدة للدولة، بينما تستهدف – وفق اعترافاته – التواصل مع مسؤولين وعاملين للحصول على معلومات واستغلالها فى بث الشائعات، وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإثارة الرأى العام ومحاولة تقويض استقرار الدولة.
وتكشف هذه الاعترافات أن الجماعة، بعد تراجع قدرتها على التحرك التنظيمى التقليدى، اتجهت بصورة متزايدة إلى الاستثمار فى اللجان الإعلامية والمنصات الإلكترونية والكيانات المعنية بإدارة المحتوى، مع احتفاظها بالهدف ذاته المتمثل فى نشر الشائعات، والتشكيك فى مؤسسات الدولة، وإثارة الرأى العام.
امتداد النهج.. من “لجنة افتعال الأزمات” إلى “ميدان”
ورغم الضربات الأمنية التى تلقاها التنظيم والقبض على عدد من قياداته البارزة، وفى مقدمتهم محمود عزت، فإن جماعة الإخوان الإرهابية لم تتخلَّ عن الاستراتيجية التى اعتمدتها عقب سقوط حكمها، وإنما أعادت صياغتها بما يتناسب مع المتغيرات. فبدلًا من اللجان التنظيمية التى كانت تتولى إدارة الأزمات والشائعات، انتقلت إلى توظيف منصات وواجهات إعلامية تؤدى الدور نفسه بأدوات أكثر تطورًا.
وفى هذا السياق، تأتى حركة “ميدان” باعتبارها أحدث صور هذا التحول، إذ يقوم خطابها على التركيز المكثف على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة تدوير الشائعات، وانتقاء الوقائع بما يخدم رواية التنظيم ويستهدف التشكيك فى مؤسسات الدولة. وبذلك تبدو الحركة امتدادًا لنهج “لجنة افتعال الأزمات”؛ فالوسائل تغيرت، لكن الهدف ظل واحدًا، وهو استغلال التحديات الداخلية لإثارة البلبلة، وإرباك الرأى العام، وإعادة إنتاج خطاب الجماعة بعد سقوط مشروعها السياسى.