كشفت إجراءات الدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو ، أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تعتمد فقط على البناء التنظيمى أو النشاط السياسى، بل أقامت على مدار سنوات إمبراطورية اقتصادية واسعة تشابكت فيها الشركات والمدارس والمستشفيات والجمعيات والأنشطة التجارية، لتصبح الذراع المالية التى ضمنت استمرار تدفق الأموال ودعم أنشطة التنظيم. ومع قرارات التحفظ على الأموال والكيانات المرتبطة بالجماعة، تكشفت واحدة من أكثر شبكات التمويل تعقيدًا فى تاريخ التنظيمات الإرهابية، بعدما اعتمدت على تعدد الواجهات الاقتصادية وتوزيع الملكيات وإخفاء المستفيدين الحقيقيين من الأرباح.
ومع بدء تنفيذ قرارات لجنة حصر وإدارة أموال الجماعة، ظهرت تفاصيل شبكة اقتصادية متشعبة امتدت إلى قطاعات مختلفة، اعتمدت على إبعاد الملكية المباشرة عن القيادات التنظيمية، وتوزيع الاستثمارات بين عشرات الكيانات، بما صعّب عملية تتبع حركة الأموال أو الوصول إلى المستفيد النهائى منها.
اقتصاد موازٍ داخل الدولة
اعتمدت جماعة الإخوان، على مدار سنوات، على بناء منظومة اقتصادية موازية، لم يكن هدفها تحقيق الأرباح فقط، وإنما توفير مصادر تمويل مستقرة للتنظيم، بعيدًا عن الاشتراكات والتبرعات التقليدية.
وتنوعت هذه الأنشطة بين شركات المقاولات والاستيراد والتصدير، والمراكز الطبية، والمدارس الخاصة، وسلاسل المحال التجارية، والجمعيات الأهلية، وشركات الاستثمار، بما وفر للجماعة شبكة واسعة من الموارد المالية، يصعب التأثير عليها من خلال استهداف نشاط واحد فقط.
وتشير تقارير لجنة حصر وإدارة أموال الجماعة، إلى أن التنظيم حرص على توزيع استثماراته فى قطاعات مختلفة، بحيث تظل دورة الأموال مستمرة حتى فى حال تعرض أحد الكيانات للإغلاق أو التحفظ.
المدارس والمستشفيات.. واجهات اقتصادية ذات عائد مستمر
احتلت المؤسسات التعليمية والطبية مكانة بارزة داخل المنظومة الاقتصادية للجماعة، لما توفره من تدفقات مالية مستقرة، إلى جانب ما تمنحه من حضور مجتمعى واسع.
وأظهرت قرارات التحفظ الصادرة على مدار السنوات الماضية خضوع عدد من المدارس والمستشفيات والمراكز الطبية لإدارة لجنة حصر الأموال، بعد ثبوت ارتباطها بقيادات أو عناصر تابعة للجماعة، سواء من خلال الملكية المباشرة أو الإدارة الفعلية.
وأكدت اللجنة فى أكثر من مناسبة أن الهدف من التحفظ لم يكن إغلاق تلك المؤسسات أو تعطيل الخدمات المقدمة للمواطنين، وإنما استمرار تشغيلها مع منع توجيه عوائدها لصالح التنظيم.
الشركات الوهمية والواجهات الاقتصادية
ومع تضييق الخناق على مصادر التمويل، لجأت الجماعة إلى تأسيس شركات بأسماء أشخاص لا يرتبطون ظاهريًا بالتنظيم، بينما تظل الإدارة الفعلية فى يد عناصر إخوانية.
وشملت هذه الكيانات شركات مقاولات، واستيرادًا وتصديرًا، وأنشطة تجارية متنوعة، استخدمت كواجهات لتحريك الأموال وإعادة استثمارها، بما يخفى المستفيد الحقيقى من الأرباح.
وأظهرت التحقيقات أن هذا الأسلوب منح الجماعة مرونة كبيرة فى نقل الأموال بين كيانات متعددة، وصعب عمليات التتبع المالى، خاصة مع توزيع الملكيات على عدد كبير من الأشخاص والواجهات الاستثمارية.
رجال الأعمال.. العمود الفقرى للإمبراطورية المالية
اعتمد التنظيم على عدد من رجال الأعمال فى إدارة جزء من استثماراته، سواء بصورة مباشرة أو عبر شراكات واستثمارات متنوعة.
ومع بدء عمل لجنة حصر وإدارة الأموال، صدرت قرارات بالتحفظ على أموال عدد من رجال الأعمال والكيانات الاقتصادية المرتبطة بالجماعة، فى إطار خطة استهدفت تجفيف منابع التمويل وقطع الصلة بين النشاط الاقتصادى والتنظيم.
وامتدت إجراءات التحفظ إلى شركات ومؤسسات تعليمية وطبية وتجارية، بعدما كشفت التحقيقات عن وجود روابط مالية أو إدارية مع عناصر إخوانية.
شركات الصرافة والتحويلات المالية
لم تقتصر الشبكة الاقتصادية على الشركات التجارية، بل شملت أيضًا شركات صرافة وأنشطة مالية خضعت لإجراءات التحفظ بعد الاشتباه فى استخدامها لتدوير الأموال أو إدارة التحويلات.
ووفقًا لما أعلنته لجنة حصر الأموال فى بياناتها الرسمية، فإن بعض تلك الكيانات لعب دورًا فى حركة الأموال داخل الشبكة الاقتصادية المرتبطة بالجماعة، وهو ما دفع الدولة إلى فرض إجراءات رقابية وتحفظية عليها.
محاولات الالتفاف على قرارات التحفظ
ومع اتساع نطاق التحفظات، حاول التنظيم الحفاظ على جزء من استثماراته عبر نقل ملكية بعض الكيانات إلى أقارب أو شركاء أو أشخاص غير معروفين بانتمائهم للجماعة، فى محاولة لإبعاد الشبهات عن الملكية الحقيقية.
كما لجأت بعض الكيانات إلى إجراء تعديلات فى مجالس الإدارات أو إعادة هيكلة الملكيات، إلا أن لجان الفحص والتحريات استمرت فى تتبع العلاقات المالية والإدارية بين تلك الكيانات والتنظيم، ما أسهم فى كشف العديد من حلقات الشبكة المالية.
قرارات التحفظ.. بداية تفكيك الإمبراطورية
على مدار السنوات الماضية، أصدرت لجنة حصر وإدارة أموال الجماعة عشرات القرارات التى شملت التحفظ على شركات ومدارس وجمعيات ومستشفيات ومراكز طبية وأموال سائلة وعقارات وأراضٍ، تنفيذًا لأحكام القضاء والقوانين المنظمة لذلك.
التمويل.. أحد أخطر أسلحة التنظيم
تكشف الوقائع التى أظهرتها التحقيقات أن جماعة الإخوان أدركت مبكرًا أن بقاء أى تنظيم يرتبط بامتلاكه موارد مالية مستقرة، لذلك عملت على إنشاء شبكة اقتصادية متشعبة يصعب تتبعها أو تفكيكها بسهولة.
كما تؤكد هذه الوقائع أن المواجهة مع التنظيم لم تقتصر على الجانب الأمنى، بل امتدت إلى معركة قانونية واقتصادية استهدفت تجفيف منابع التمويل، ومنع استخدام الأنشطة التجارية والخدمية كغطاء لإدارة الأموال أو دعم البنية التنظيمية.
ومع استمرار إجراءات التحفظ والفحص وإعادة هيكلة الكيانات التى ثبت ارتباطها بالتنظيم، تعرضت الإمبراطورية الاقتصادية التى بناها الإخوان على مدار عقود لضربات متتالية، أفقدتها جانبًا كبيرًا من قدرتها على تمويل أنشطتها، وأغلقت العديد من المسارات التى اعتمدت عليها للحفاظ على نفوذها الاقتصادى بعد سقوط حكمها، لتصبح معركة تجفيف منابع التمويل واحدة من أبرز محطات مواجهة الدولة المصرية مع الجماعة الإرهابية خلال السنوات الماضية.