شمال مالى على صفيح ساخن.. الجهاديون والانفصاليون يتحدون ضد الجيش المالى.. معركة أنيفيس تعيد رسم خريطة الصراع.. والاتحاد الأفريقى: الهجمات تعكس الحاجة لتعزيز الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة التنظيمات المسلحة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يشهد شمال مالي واحدة من أكثر جولات الصراع تعقيدًا منذ سنوات، بعدما تحولت بلدة أنيفيس الاستراتيجية إلى ساحة معارك مفتوحة بين تحالف يضم جماعة مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، و”جبهة تحرير أزواد”، من جهة، والجيش المالي مدعومًا بعناصر “فيلق أفريقيا” الروسية من جهة أخرى.

 

ولا تمثل المواجهات الأخيرة مجرد معركة للسيطرة على بلدة صحراوية، بل تعكس تحولًا عسكريًا وسياسيًا قد يعيد تشكيل موازين القوى في شمال مالي، ويضع المجلس العسكري الحاكم أمام تحديات أمنية متزايدة، رغم اعتماده المتنامي على الدعم الروسي منذ انسحاب القوات الفرنسية والأممية من البلاد.

 

أنيفيس.. عقدة استراتيجية في شمال مالي

تقع بلدة أنيفيس في إقليم كيدال، وتعد إحدى أهم نقاط الربط العسكرية واللوجستية المؤدية إلى مدينة كيدال، التي تمثل معقلًا تاريخيًا للطوارق ومركزًا رئيسيًا للصراع في شمال مالي.

 

وشنت “جبهة تحرير أزواد” بالتنسيق مع جماعة مسلحة أخرى هجمات متزامنة على مواقع الجيش المالي في أنيفيس وعدة مناطق أخرى منذ مطلع الأسبوع، في محاولة لتوسيع نفوذهما في الشمال وقطع خطوط إمداد القوات الحكومية.

 

وأكدت مصادر عسكرية أن مقاتلين من الجيش المالي وعناصر من “فيلق أفريقيا” تحصنوا داخل معسكر رئيسي في أنيفيس، بينما استمرت الاشتباكات والقصف المتبادل، مع استخدام الطائرات المسيّرة والضربات الجوية في محيط البلدة.

 

تحالف غير مسبوق بين الجهاديين والانفصاليين

يمثل التنسيق بين “جبهة تحرير أزواد” ذات التوجه الانفصالي والجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة أحد أبرز التحولات في المشهد الأمني بمالي.

 

ورغم اختلاف أهداف الطرفين، فإنهما وجدا مصلحة مشتركة في مواجهة الجيش المالي وحلفائه الروس، وهو تعاون ظهر بوضوح خلال الهجوم الواسع الذي شهدته البلاد في أبريل الماضي، عندما سيطر المهاجمون على مدينة كيدال ونفذوا هجمات طالت العاصمة باماكو، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي، بحسب تقارير إعلامية دولية.

 

وهذا التنسيق يمنح الجماعتين قدرة أكبر على تنفيذ عمليات واسعة ومتزامنة تمتد من شمال البلاد إلى وسطها وجنوبها، وهو ما يزيد من صعوبة المواجهة بالنسبة للقوات الحكومية.

 

روسيا في اختبار جديد

بعد انتهاء دور مجموعة فاجنر في مالي، تولى فيلق أفريقيا”، الروسي مهمة دعم الجيش المالي في مواجهة الجماعات المسلحة.

 

إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن القوات الروسية تواجه تحديات ميدانية متزايدة، إذ أفادت مصادر أمنية بأن المعسكر المحاصر في أنيفيس تعرض لقصف متكرر، بينما استخدمت القوات الروسية طائرات مسيّرة انتحارية في محاولة لصد الهجمات.

 

كما تعرض رتل عسكري كان متجهًا لتعزيز القوات في الشمال لكمين أجبره على التراجع، مع تقارير عن تدمير عدد من الآليات العسكرية.

 

في المقابل، أعلن الجيش المالي تنفيذ غارات جوية استهدفت ما وصفها بـ”النقاط الاستراتيجية” داخل أنيفيس، مؤكدًا مقتل عدد من مقاتلي “جبهة تحرير أزواد” والجماعات الجهادية، بينما لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من حجم الخسائر لدى الطرفين.

 

هجمات منسقة على امتداد البلاد

لم تقتصر العمليات المسلحة على أنيفيس، بل امتدت إلى مدن وبلدات أخرى، بينها جاو وأغيلهوك وسيفاري وكينيوروبا، في واحدة من أوسع الهجمات المنسقة التي تشهدها مالي خلال الأشهر الأخيرة.

 

وأعلنت جماعة مسلحة مسؤوليتها عن عدد من هذه الهجمات، مدعية السيطرة على مواقع عسكرية عدة، بينما قال الجيش المالي إنه تمكن من صد الهجمات وقتل عشرات المهاجمين في بعض المناطق، دون إمكانية التحقق المستقل من هذه الروايات.

 

لماذا تعد كيدال مفتاح الصراع؟

تحظى منطقة كيدال بأهمية استراتيجية كبيرة، إذ تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري للطوارق في شمال مالي، كما تشكل عقدة رئيسية تربط المناطق الصحراوية الشاسعة بالحدود مع الجزائر والنيجر.

 

ويرى خبراء في شؤون الساحل أن أي خسارة جديدة للجيش المالي في محيط كيدال ستمنح الجماعات المسلحة مساحة أوسع للتحرك، وقد تعيد رسم خريطة النفوذ في شمال البلاد، خاصة بعد التراجع التدريجي للقوات الحكومية من عدة مواقع خلال الأشهر الماضية.

 

الاتحاد الأفريقي يدين التصعيد

في خضم هذه التطورات، أدان الاتحاد الأفريقي الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي، معتبرًا أنها تؤكد استمرار الخطر الذي يشكله الإرهاب والتطرف العنيف على مالي ومنطقة الساحل والقارة الأفريقية بأكملها.

 

وأكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، أن هذه الهجمات تعكس الحاجة إلى تعزيز الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة التنظيمات المسلحة ومنع اتساع دائرة العنف.

 

هل تدخل مالي مرحلة جديدة؟

منذ استيلاء الجيش على السلطة، تعهدت السلطات العسكرية باستعادة الأمن وإنهاء التمرد، إلا أن الهجمات الأخيرة تشير إلى أن الجماعات المسلحة لا تزال تحتفظ بقدرة كبيرة على المناورة وتنفيذ عمليات واسعة النطاق.

 

وتكشف معركة أنيفيس أن الصراع في مالي لم يعد مجرد مواجهة بين الدولة وجماعات متمردة، بل أصبح ساحة تنافس معقدة تتداخل فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، في ظل حضور روسي متزايد، وتحالفات ميدانية متغيرة، وتصاعد نفوذ الجماعات الجهادية والانفصالية.

 

وفي حال استمرت هذه التطورات، فإن شمال مالي قد يشهد مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تمتد تداعياتها إلى مجمل منطقة الساحل، التي لا تزال تواجه واحدة من أعقد الأزمات الأمنية في أفريقيا.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً