كيف تختار الكنيسة القبطية كاهنها؟.. رحلة تبدأ من الشعب وتنتهى بالسيامة وسط ضوابط تضمن الشفافية.. من يملك حق الاعتراض على مرشح الكهنوت؟.. ولائحة الكنيسة ترسم نظامًا دقيقًا لاختيار راعى الشعب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عندما يخلو مذبح إحدى الكنائس من كاهن يخدم أبناءها، تبدأ داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رحلة مختلفة عن كثير من إجراءات الاختيار المعروفة في المؤسسات الأخرى. فلا يُختار الكاهن بقرار فردي، ولا تُحسم سيامته بمجرد ترشيحه من أحد المسؤولين، بل تخضع العملية لمنظومة دقيقة من الإجراءات والضوابط التي توازن بين صوت الشعب، ورأي الآباء الكهنة، وإشراف الرئاسة الكنسية، في محاولة للوصول إلى الشخص الأكثر قدرة على حمل رسالة الكهنوت.

وتكشف لائحة تنظيم خدمة الآباء الكهنة أن الكنيسة وضعت آليات واضحة لضمان نزاهة الاختيار، تبدأ بالإعلان عن المرشحين، ثم فتح الباب أمام إبداء الملاحظات والاعتراضات، مرورًا بتقييم مستقل للمرشحين، وانتهاءً باتخاذ القرار النهائي من الرئاسة الكنسية. وتؤكد هذه الإجراءات أن الكهنوت في المفهوم القبطي ليس منصبًا يُمنح، وإنما مسؤولية تُسبقها رحلة طويلة من الفحص والتدقيق.

 

اختيار الكاهن يبدأ من احتياج الكنيسة وليس من رغبة الأفراد

توضح اللائحة أن أول خطوة في اختيار كاهن جديد تبدأ عندما ترى الكنيسة وجود احتياج رعوي حقيقي، سواء نتيجة زيادة عدد أبناء الكنيسة، أو اتساع نطاق الخدمة، أو الحاجة إلى دعم العمل الرعوي داخل الإيبارشية.

وبعد تحديد هذا الاحتياج، تبدأ مرحلة ترشيح الأسماء التي تنطبق عليها شروط الكهنوت، ليخضع كل مرشح لمراجعة دقيقة تشمل حياته الروحية، وخبرته في الخدمة، وسيرته بين أبناء الكنيسة، ومدى التزامه بتعاليمها.

ولا تعتمد الكنيسة في هذه المرحلة على الانطباعات الشخصية، وإنما على معايير واضحة نصت عليها اللائحة، حتى يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة الروحية والرعوية، وليس على العلاقات أو الشهرة.

 

شعب الكنيسة شريك في اختيار راعيه

من أبرز ما تضمنته اللائحة تأكيدها أن شعب الكنيسة ليس مجرد متلقٍ لقرار سيامة الكاهن، بل يعد طرفًا أساسيًا في مراحل الاختيار.

ولهذا أتاحت الكنيسة مشاركة عدد من أبناء الكنيسة المعروفين بخدمتهم والتزامهم في إبداء آرائهم حول المرشحين، من خلال آلية منظمة تضمن وصول صورة حقيقية عن كل مرشح، باعتبار أن أبناء الكنيسة هم الأكثر معرفة بحياته وسلوكه وخدمته اليومية.

وتقوم هذه المشاركة على مبدأ المسؤولية المشتركة، حيث تسعى الكنيسة إلى الاستفادة من معرفة الشعب بالمرشح، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أن يكون القرار النهائي داخل الإطار الكنسي وتحت إشراف الرئاسة الدينية.

وتعكس هذه الفلسفة قناعة الكنيسة بأن الكاهن سيخدم هذا الشعب لسنوات طويلة، ومن ثم فإن الاستماع إلى آرائهم يمثل أحد عناصر نجاح الاختيار، إلى جانب التقييم الروحي والإداري الذي تقوم به الجهات المختصة.

 

ما هو “مجمع التزكيات”؟.. الهيئة التي تمنح صورة متكاملة عن المرشحين

ولتنظيم مشاركة أبناء الكنيسة، أنشأت اللائحة ما يعرف بـ”مجمع التزكيات”، وهو أحد أهم المراحل في رحلة اختيار الكاهن.

ويضم هذا المجمع مجموعة من أبناء الكنيسة الذين تتوافر فيهم شروط محددة، مثل الخدام، والشمامسة، وأعضاء مجالس الكنائس الحاليين والسابقين، وغيرهم من الشخصيات التي تتمتع بخبرة في الخدمة الكنسية.

وتتمثل مهمة المجمع في دراسة أسماء المرشحين، وإبداء الرأي في مدى صلاحيتهم للخدمة الكهنوتية، استنادًا إلى معرفتهم المباشرة بحياتهم وخدمتهم، بما يساعد على تكوين رؤية أكثر شمولًا قبل رفع النتائج إلى الرئاسة الكنسية.

ولا يمثل مجمع التزكيات جهة لاتخاذ القرار النهائي، وإنما يقدم صورة واقعية عن المرشحين، لتكون أحد العناصر التي تستند إليها الكنيسة في استكمال إجراءات الاختيار.

 

لجنة تقييم مستقلة لضمان الحياد

وبالتوازي مع دور مجمع التزكيات، تشكل الإيبارشية لجنة متخصصة لتقييم المرشحين، تضم عددًا من الآباء الكهنة من أصحاب الخبرة، تتولى مراجعة الملفات، وإجراء المقابلات الشخصية، والتأكد من استيفاء جميع الشروط المنصوص عليها في اللائحة.

ولا يقتصر دور اللجنة على مراجعة الأوراق، بل يمتد إلى دراسة شخصية كل مرشح، وقدرته على تحمل مسؤوليات الكهنوت، ومدى نجاحه في الخدمة السابقة، مع فحص أي ملاحظات أو اعتراضات قد تُقدم بشأنه.

ويعكس هذا التنظيم حرص الكنيسة على ألا يعتمد القرار على رأي جهة واحدة، وإنما يكون نتيجة تقييم متكامل تشارك فيه أكثر من جهة، بما يعزز العدالة والشفافية.

 

من يملك حق الاعتراض على مرشح الكهنوت؟.. الكنيسة تفتح الباب للملاحظات لحماية قدسية الخدمة

لم تغفل لائحة تنظيم خدمة الآباء الكهنة حق أبناء الكنيسة في إبداء ملاحظاتهم على المرشحين للكهنوت، لكنها وضعت لهذا الحق ضوابط دقيقة، حتى يكون وسيلة لحماية قدسية الكهنوت، وليس بابًا للخلافات الشخصية أو تصفية الحسابات.

ولهذا تنص اللائحة على إعلان أسماء المرشحين داخل الكنيسة، مع منح فترة زمنية محددة لتلقي أي اعتراضات أو ملاحظات، شريطة أن تكون مكتوبة، ومحددة، ومدعومة بما يثبت جديتها، حتى تتمكن الجهات المختصة من دراستها والتحقق منها.

ويؤكد هذا الإجراء أن الكنيسة لا تعتبر الاعتراض وسيلة لتعطيل السيامة، وإنما فرصة للتأكد من سلامة الاختيار، والوصول إلى المرشح الأكثر أهلية لتحمل مسؤولية رعاية شعب الكنيسة.

كما تتولى لجنة التقييم فحص جميع الملاحظات المقدمة، والتأكد من صحتها، مع منح المرشح حق الرد إذا استدعى الأمر، قبل رفع توصياتها النهائية إلى الرئاسة الكنسية.

 

15 يومًا لفحص الطعون.. كيف تضمن الكنيسة نزاهة الاختيار؟

ومن أهم الضمانات التي نصت عليها اللائحة تخصيص خمسة عشر يومًا بعد إعلان أسماء المرشحين لتلقي الملاحظات والاعتراضات.

ولا تهدف هذه المهلة إلى إطالة إجراءات السيامة، وإنما تمنح الكنيسة الوقت الكافي لمراجعة جميع المعلومات المتعلقة بالمرشحين، والتأكد من عدم وجود أي أمور قد تؤثر في صلاحيتهم للكهنوت.

وخلال هذه الفترة، تقوم الجهات المختصة بدراسة كل ما يرد إليها من ملاحظات، مع التحقق من صحتها، وعدم الاكتفاء بالشائعات أو الأقوال غير الموثقة، وهو ما يعكس حرص الكنيسة على تحقيق العدالة، وحماية المرشحين في الوقت نفسه من الاتهامات غير المستندة إلى حقائق.

وتكشف هذه الإجراءات عن فلسفة واضحة، تقوم على أن اختيار الكاهن مسؤولية تمس مستقبل الكنيسة لسنوات طويلة، ومن ثم لا يجوز أن يتم بصورة متسرعة أو دون مراجعة دقيقة.

 

لماذا يُمنع أقارب المرشح من تقييمه؟

ومن أبرز البنود التي تعكس حرص اللائحة على النزاهة، اشتراط عدم مشاركة أي شخص تربطه بالمرشح صلة قرابة أو مصلحة مباشرة في لجنة تقييمه.

كما يمتد هذا المنع إلى أب الاعتراف الخاص بالمرشح، وكذلك كل من قد تتأثر حياديته بعلاقة شخصية أو خدمية وثيقة معه، وذلك لتجنب أي تأثير قد يميل بالتقييم إلى المجاملة أو التشدد.

وتستند الكنيسة في هذا الإجراء إلى مبدأ الحياد الكامل، حتى يكون تقييم المرشح قائمًا على كفاءته وسيرته وخدمته، وليس على طبيعة العلاقات الشخصية داخل الكنيسة.

ويرى متابعون للشأن الكنسي أن هذا البند يعد من أهم الضمانات التي تكرس الشفافية داخل منظومة اختيار الكهنة، لأنه يفصل بين العلاقات الإنسانية ومتطلبات العدالة في اتخاذ القرار.

 

اختيار الكاهن.. مسؤولية جماعية تحكمها الشفافية

تكشف لائحة تنظيم خدمة الآباء الكهنة عن رؤية متكاملة لاختيار من يحمل رسالة الكهنوت، إذ تبدأ الرحلة من احتياج الكنيسة، ثم تمر بمرحلة الترشيح، ومشاركة شعب الكنيسة عبر مجمع التزكيات، ثم تقييم لجنة مستقلة، يليها فتح باب الاعتراضات لمدة خمسة عشر يومًا، قبل أن تصل إلى القرار النهائي الذي تتخذه الرئاسة الكنسية.

وتؤكد هذه المنظومة أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لا تنظر إلى سيامة الكاهن باعتبارها إجراءً إداريًا، بل مسؤولية روحية وإنسانية تستوجب أعلى درجات التدقيق، لأن الكاهن سيكون أبًا ومرشدًا وراعيًا لشعبه لسنوات طويلة.

ومن خلال هذه الضوابط، تسعى الكنيسة إلى تحقيق التوازن بين مشاركة الشعب، وخبرة الآباء الكهنة، وسلطة الرئاسة الكنسية، في نموذج يجمع بين الشورى الكنسية، والحياد، والشفافية، بما يحافظ على قدسية الكهنوت، ويضمن وصول الشخص الأكثر استعدادًا لخدمة المذبح ورعاية النفوس.

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً