مع إقرار البرلمان الفرنسي قانون الموت بكرامة، تنضم فرنسا إلى قائمة محدودة من الدول التي شرّعت القتل الرحيم أو الموت المساعد، في وقت لا يزال فيه هذا الملف شائكاً في معظم دول العالم. فبينما تقدمت دول أوروبية وغربية في هذا المسار، تظل قوانين العديد من الدول تمنع هذه الممارسة بشكل قاطع، لأسباب دينية وأخلاقية وقانونية. ويقدّر عدد الدول التي تسمح بنوع من القتل الرحيم أو الموت المساعد بحوالي 27 دولة حول العالم، لكنها لا تمثل سوى 7.3% من سكان العالم عند احتساب الولايات الأمريكية التي تسمح بذلك.
الدول التي شرّعت القتل الرحيم.. أوروبا تتصدر
تُعد هولندا أول دولة في العالم تُشرّع القتل الرحيم عام 2002، وتسمح بإنهاء حياة المريض تحت إشراف طبي وبضمانات صارمة، مع اشتراط أن يكون المريض يعاني من آلام لا تُطاق دون أمل في الشفاء. وفي العام نفسه، حذت بلجيكا حذوها، ثم وسّعت القانون عام 2014 ليشمل الأطفال من جميع الأعمار، لتصبح الأولى عالمياً في ذلك. وفي عام 2009، شرّعت لوكسمبورج كلاً من القتل الرحيم والموت المساعد، بينما لحقت إسبانيا عام 2021 بقوانين صارمة تشترط موافقة لجنة تقييم. أما البرتغال، فقد أقرّت القانون عام 2023، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ بعد بسبب فيتو من الرئيس وأحكام المحكمة الدستورية.
أما سويسرا، فتحتل موقعاً فريداً، إذ تمنع القتل الرحيم ولكنها تسمح بالمساعدة على الانتحار منذ الحرب العالمية الثانية، بشرط ألا يكون الدافع “أنانياً”، مما جعلها وجهة للراغبين في الموت من جميع أنحاء العالم. وتشير التقارير إلى أن 102 من 120 مريضاً سافروا إلى بلجيكا عام 2024 كانوا من الفرنسيين، الذين كانوا يبحثون عن خيارات غير متاحة في بلادهم حتى الآن.
وفي النمسا، أقرّت المحكمة الدستورية عام 2020 حق المرضى في الموت المساعد، ليصبح قانونياً اعتباراً من 2022، بينما سمحت ألمانيا بالمساعدة على الانتحار بعد حكم قضائي عام 2020، ثم قانون برلماني عام 2024.
الأمريكتان.. كندا وكولومبيا وأوروجواي
في الأمريكتين، كانت كولومبيا الأولى بإلغاء تجريم القتل الرحيم عام 1997 بقرار من المحكمة الدستورية، لكن أول حالة تم تنفيذها كانت عام 2015، وفي 2023، أُجري 270 حالة قتل رحيم، بزيادة 50% عن العام السابق، أما كندا، فشرّعته عام 2016 بقرار من المحكمة العليا، وشهدت زيادة مطردة، إذ بلغ عدد من تلقوا المساعدة الطبية على الموت 15,343 شخصاً عام 2023، ليصل الإجمالي منذ 2016 إلى أكثر من 60 ألف حالة.
وفي خطوة تاريخية، أصبحت أوروجواي في أكتوبر 2025 أول دولة في أمريكا اللاتينية تُشرع القتل الرحيم بقانون برلماني، بعد أن كانت كولومبيا والإكوادور قد أقرّتاه بقضائي.
وفي الولايات المتحدة، لا يزال القتل الرحيم الفعال غير قانوني في جميع الولايات، لكن الموت المساعد (حيث يتناول المريض الدواء بنفسه) مسموح في 14 ولاية ومقاطعة كولومبيا، بدءاً من ولاية أوريغون عام 1994، وصولاً إلى ديلاوير وإلينوي ونيويورك عام 2026.
الدول التي تمنع القتل الرحيم نهائياً
في المقابل، تظل القوانين في العديد من الدول تمنع القتل الرحيم والموت المساعد بشكل قاطع:
المملكة المتحدة: لا يزال القتل الرحيم غير قانونى بموجب جرائم القتل، لكنه يشهد نقاشا برلمانيا نشطا حول مشروع قانون البالغين المصابين بأمراض عضال الذين يناقش حاليا فى مجلس اللوردات.
وفى إيطاليا، يعتبر القتل الرحيم غير قانونى لكن المحكمة الدستورية حددت فى 2019، شروطا لعدم معاقبة المساعد على الانتحار مما مهد الطريق لمناقشات إقليمية، حيث أقرت توسكانا قانونا إقليميا.
وأيرلندا تعتبر من الدول الغربية القليلة التي لا تزال تمنع الموت المساعد، لكن النقاش بدأ يتصاعد.
كما هو الحال فى الهند يعتبر القتل الرحيم الفعال جريمة جنائية لكنها تسمح بسحب أجهزة الإنعاش بناءا على توجيهات مسبقة.
وسنغافورة تجرّم المساعدة على الانتحار، لكنها تسمح بالوصايا الطبية المسبقة برفض العلاجات المنقذة للحياة.
وتمنع الصين وروسيا والبرازيل، القتل الرحيم بشكل كامل ولا توجد أي بوادر لتغير هذا الموقف.
أما اليابان، فموقفها غامض، إذ تظل الممارسة غير قانونية، لكن لا توجد نصوص واضحة تحظرها بشكل مطلق.
مشهد متغير ونقاش مستمر
يظل ملف القتل الرحيم من أكثر الملفات حساسية في العالم، إذ تتقاطع فيه الاعتبارات الطبية والأخلاقية والدينية والقانونية، ومع تقدم الطب وإطالة عمر الإنسان، يتزايد النقاش حول حق الإنسان في إنهاء معاناته بكرامة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 4% فقط من سكان العالم يعيشون في دول تسمح بالقتل الرحيم، لكن هذا الرقم في تصاعد مستمر. ومع انضمام فرنسا إلى هذه القائمة، يتوقع مراقبون أن تشهد السنوات المقبلة مزيداً من الدول الأوروبية والأمريكية اللاتينية خطوات مماثلة، في مشهد يُعيد تعريف مفهوم “الموت الكريم” في القرن الحادي والعشرين.