في عمق الصحراء الشرقية، وعلى مقربة من قرية الشيخ أبو الحسن الشاذلي شمال شرق مدينة مرسى علم، يتربع “وادي حلوس” كواحد من الكنوز الطبيعية غير المكتشفة بالقدر الكافى، ويتبع الوادي إداريًا مدينة مرسى علم، ويتميز بموقعه القريب من الطرق الصحراوية ومسارات القبائل هناك، وتنحدر من الوادي مياه السيول الموسمية لتصب في محمية وادي الجمال، إحدى أبرز المحميات الطبيعية في محافظة البحر الأحمر، ما يمنحه أهمية بيئية كبيرة باعتباره أحد روافد الحياة في المنطقة.
نقوش صخرية تحكي تاريخ الإنسان الأول
لا تقتصر قيمة وادى حلوس على طبيعته الخلابة، بل يمتد تميزه إلى ما يحمله من شواهد أثرية تؤكد أنه كان مأهولًا منذ عصور قديمة، فقد عثر بداخله على نقوش ورسومات صخرية تجسد جمالًا وثيرانًا، إلى جانب رموز ونقوش يعتقد أنها تعود إلى العصرين الفرعوني والروماني، ما يعكس تعاقب حضارات متعددة على أرضه.
وتشير هذه الرسوم إلى أن الوادي كان ممرًا حيويًا للإنسان القديم، سواء للاستقرار المؤقت أو كطريق للقوافل، وهو ما يعزز قيمته التاريخية إلى جانب أهميته البيئية.
موطن موسمي لقبائل العبابدة والبشارية
تضم الصحراء الشرقية عشرات الأودية الجبلية التي يحفظ مساراتها أبناء قبائل العبابدة والبشارية، الذين ارتبطوا بها تاريخيًا وثقافيًا، ويعد وادي حلوس من أبرز هذه الأودية، حيث يمثل أحد أماكن الاستيطان الموسمي لقبيلة العبابدة، التي لا يزال بعض أفرادها يعيشون فيه حتى اليوم، متمسكين بعادات الأجداد في الترحال والرعي، ويتحول الوادي خلال موسم الأمطار إلى مقصد للرعاة، إذ تنبت الأعشاب وتزدهر الحياة البرية، ما يجعله بيئة مناسبة لتربية الإبل والماعز.
أشجار الأكاسيا.. مظلات طبيعية وشجرة مقدسة قديمًا
تغطي أشجار الأكاسيا، المعروفة محليًا باسم “السنط” مساحات واسعة من وادي حلوس، وتعد من أبرز ملامح الغطاء النباتي في الصحراء الشرقية، خاصة في مناطق حلايب وشلاتين ومرسى علم، وتوفر هذه الأشجار الظل والحماية من حرارة الشمس، كما تمثل مصدرًا غذائيًا مهمًا للجمال والاغنام، وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن الفراعنة اعتبروا الأكاسيا شجرة مقدسة، وأطلقوا عليها “شجرة إيزيس”، حيث ظهرت في عدد من النقوش كرمز للارتباط الروحي بالطبيعة.
نظام بيئي متكامل في مخرات السيول
من جانبه أوضح الدكتور أحمد غلاب مدير محميات البحر الأحمر أن أشجار الأكاسيا تنمو طبيعيًا في مخرات السيول، وتشكل جزءًا أساسيًا من النظام البيئي الصحراوي، إذ تعتمد عليها العديد من الكائنات البرية، من الأغنام والماعز وصولًا إلى الجمال، كما يستخدمها الرعاة كمظلات طبيعية يعلقون عليها احتياجاتهم أثناء التنقل والترحال.
تداخل فريد بين الطبيعة والتاريخ
يبقى وادي حلوس نموذجًا متكاملًا لتلاقي عناصر الطبيعة البكر مع شواهد التاريخ القديم، في مشهد يعكس ثراء الصحراء الشرقية وتنوعها البيئي والثقافي. فبين الصخور المنقوشة وأشجار الأكاسيا ومجاري السيول، تتجسد حكاية مكان يستحق أن يُدرج ضمن مسارات السياحة البيئية والتاريخية في مصر، وأن يحظى بمزيد من الاهتمام بوصفه أحد الكنوز الطبيعية في محافظة البحر الأحمر.

وادى من أودية الصحراء الشرقية

وادى حلوس فى الغروب

وادى حلوس بمرسى علم

مدخل وادى حلوس

رسومات قديمة داخل الوادى

بئر،مياه بوادى حلوس

الأشجار داخل وادى حلوس