في عالم الجريمة المنظمة، يتجدد الإبداع الإجرامي يوميًا بمحاولات لا تنتهي لخداع أجهزة الرقابة الجمركية حول العالم. بينما ترتفع وتيرة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، تبتكر شبكات التهريب أساليب الغريبة في التمويه، تحوّل فيها المواد المحظورة إلى سلع عادية تمر أمام أعين المفتشين دون أن تثير أي شك. من أكياس القهوة في موانئ البرازيل، إلى علب الحليب في مطارات كوبا، ودمى الأطفال في جزر الكناري، وحتى شحنات الأناناس المتجهة إلى أفغانستان، تتكشف حكايات صادمة عن كيفية خداع الجمارك حول العالم.
القهوة البرازيلية.. قصة 6.5 طن من الكوكايين
في واحدة من أكبر عمليات مكافحة المخدرات في أمريكا اللاتينية، أعلنت الشرطة الفيدرالية البرازيلية عن تفكيك شبكة دولية متخصصة في تهريب الكوكايين، استخدمت شحنات القهوة والإسمنت كغطاء لتهريب كميات ضخمة إلى أوروبا. العملية، التي حملت اسم “كوموديتي” ضمن مهمة “المخلص الثاني”، كشفت عن تهريب ما لا يقل عن 6.5 طن من الكوكايين إلى دول أوروبية بينها ألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا وسلوفينيا.
استخدمت الشبكة حاويات في سفن الشحن، وأقامت تحالفات مع عصابات في بوليفيا وباراغواي وتايلاند. ولم تقتصر الأساليب على إخفاء المخدرات في أكياس القهوة، بل لجأت إلى تعديلات كيميائية متطورة على المادة، وإذابتها أحيانًا في زجاجات المشروبات الغازية لتجنب أعين الرقابة الجمركية. وأسفرت العملية عن اعتقال 9 أشخاص، ومقتل مشتبه به في تبادل لإطلاق النار، وتنفيذ 44 أمر تفتيش، وحجز أصول بقيمة مليار ريال برازيلي (نحو 180 مليون دولار).
واستخدمت الشبكة شركات وهمية وعملات رقمية مشفرة وعمليات شراء عقارات وسلع فاخرة لغسل الأموال، مع هيكل مالي معقد صُمم لإعاقة تتبع تحركات الأموال. وتم ربط الشبكة بأكبر فصيلين إجراميين في البرازيل: “القيادة الأولى للعاصمة” (PCC) و”القيادة الحمراء” (CV)، اللذين كانا يديران العمليات اللوجستية للشحن البحري والتوزيع في القارة الأوروبية. وانطلقت التحقيقات في سبتمبر 2025، بعد ضبط نصف طن من الكوكايين مخبأة في شحنات قهوة بميناء ريو دي جانيرو، وكانت في طريقها إلى سلوفينيا.
الحليب الكوبي.. كوكايين في علب الألبان
في الجانب الآخر من منطقة البحر الكاريبي، تمكنت الجمارك الكوبية من إحباط محاولة تهريب جديدة، بعد ضبط كميات من الكوكايين مخبأة داخل علب حليب، في شحنة غير تجارية قادمة من الخارج عبر مطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا. وأعلن ويليام بيريز جونزاليس، النائب الأول لرئيس الجمارك العامة في كوبا، أن “التحليل الاستباقي للمعلومات والتقنيات المطبقة، إلى جانب استخدام الكلاب البوليسية المدربة”، كانت عوامل حاسمة في اكتشاف المخدرات داخل الشحنة.
وأكدت الجمارك الكوبية أن سياسة كوبا تجاه آفة المخدرات هي “سياسة التسامح الصفر”، مع استمرار التنسيق مع الأجهزة المتخصصة لإحباط أي محاولات لإدخال المواد المحظورة. وتأتي هذه العملية في وقت تواجه فيه كوبا تشديدًا غير مسبوق للحصار الاقتصادي الأمريكي، والذي أثر على جميع القطاعات بما في ذلك قدرات الرقابة الجمركية. لكن السلطات تؤكد أن ضعف الإمكانيات لم يثنها عن التصدي لمحاولات التهريب، سواء كانت مخدرات أو بضائع مهربة.
الكوكايين الوردي في دمية طفل.
في إسبانيا، كشفت الشرطة الوطنية عن محاولة تهريب فريدة من نوعها، حيث ضبطت 504 جرامات من مادة “التوسي” المعروفة بـ”الكوكايين الوردي”، مخبأة داخل دمية أطفال في مطار تينيريفي الشمالي. وتمكن رجال الأمن من اعتقال المشتبه به في مطار مدريد، أثناء محاولته استلام الطرد القادم عبر إحدى شركات الشحن.
ويُعرف “التوسي” بأنه مزيج كيميائي خطير، يغلب أن يكون مكونه الأساسي عقار الكيتامين المخدر، المخلوط مع منشطات أخرى تؤدي إلى تأثيرات غير متوقعة تشكل خطرًا بالغًا على صحة المتعاطين. وتعكس هذه العملية قلق قوات الأمن الإسبانية من تدفق المخدرات الاصطناعية الخطيرة، وعلى رأسها “التوسي” الذي ينتشر بسرعة بين فئات معينة من المستهلكين في جزر الكناري.
أناناس الدومينيكان
وفي جمهورية الدومينيكان، ضبطت السلطات 30 كيلوجرامًا من الكوكايين المخبأة داخل شحنة من فاكهة الأناناس في مطار لاس أميريكاس الدولي. وكشفت التحقيقات أن الشحنة كانت في طريقها إلى أفغانستان، مع توقف وسيط في إسبانيا، في مؤشر على تطور شبكات التهريب التي تربط أمريكا اللاتينية بأسواق آسيا عبر أوروبا.
خلال عملية تفتيش روتينية، تمكنت المديرية الوطنية لمكافحة المخدرات (DNCD) من كشف 121 غلافًا بلاستيكيًا يحتوي على كوكايين، موزعة بعناية بين 120 صندوقًا من الأناناس. وأسفرت العملية عن اعتقال شخص واحد، فيما تواصل السلطات تحقيقاتها لتحديد بقية المتورطين.
تؤكد هذه العمليات أن عصابات المخدرات لا تتوقف عن تطوير أساليبها، محولة السلع اليومية إلى أغلفة قاتلة للمخدرات. من القهوة البرازيلية إلى الحليب الكوبي، ومن دمى الأطفال الإسبانية إلى أناناس الدومينيكان، تتسع دائرة الإبداع الإجرامي، وتزداد حدة المنافسة بين المهربين والجمارك. ومع استمرار تطور طرق التهريب، تظل أجهزة الأمن في سباق مع الزمن لكشف هذه الشبكات، في معركة لا هوادة فيها لحماية المجتمعات من آفة المخدرات.