الزراعة تطبق آلية التسميد الذكي لحماية التربة.. وتؤكد: لا مساس بحصص المحاصيل الاستراتيجية.. 5 ملايين مزارع يحصلون على احتياجاتهم عبر كارت الفلاح.. ولدينا بدائل حيوية للتربة الزراعية من 40 مليون طن مخلفات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تخوض الدولة المصرية في الآونة الأخيرة معركة وعي وتطوير شاملة في قطاع الزراعة، تستهدف تغيير المفاهيم الموروثة طوال القرن الماضي والانتقال بالتربة المصرية من مرحلة “الإجهاد الكيميائي” إلى مرحلة “الاستدامة الحيوية”، و حسمت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي الجدل، حول إلغاء صرف الأسمدة للمزارعين، معلنةً عن إستراتيجية جديدة ومحكمة لإعادة هيكلة منظومة التسميد في مصر، بالتوازي مع تحقيق نجاحات غير مسبوقة في ملف التوسع الأفقي وتوريد المحاصيل الإستراتيجية وفي مقدمتها القمح.

 

حقيقة إلغاء دعم الأسمدة

وأكد الدكتور محمد شطا، رئيس الإدارة المركزية لشئون المديريات بوزارة الزراعة، أن ما يتردد عن إلغاء صرف الأسمدة للمزارعين عارٍ تمامًا من الصحة، أن الأمر لا يعدو كونه عملية “تنظيم دقيقة للاستهلاك” والتحول التدريجي والمدروس نحو البدائل الحيوية والعضوية، بهدف رفع جودة المحاصيل المصرية وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.

وشددت وزارة الزراعة على أنه لا مساس بالمحاصيل الاستراتيجية؛ وفي مقدمتها القمح، والأرز، والذرة، بالإضافة إلى غالبية المحاصيل الحقلية الأخرى. وأشارت الوزارة إلى أن الدعم مستمر بالكامل لضمان وصول المقررات السمادية إلى مستحقيها، حيث يمتلك اليوم نحو 5 ملايين مزارع “الكارت الذكي”، والذي يمثل نجاحًا باهرًا لمنظومة التحول الرقمي، حيث يتيح للمزارعين صرف حصصهم المقررة من الأسمدة المدعمة بكل سهولة وشفافية عبر الجمعيات التعاونية ومنافذ التوزيع بمختلف المحافظات.

 

تراكم “اليوريا والنترات”يهدد خصوبة التربة

وكشف شطا عن أسباب قرار تعديل سياسات صرف الأسمدة لبعض المحاصيل (مثل بنجر السكر في بعض المناطق المحددة)، موضحًا أن هذا التوجه يستند إلى دراسات وأبحاث علمية موسعة أجراها مركز البحوث الزراعية وشملت تحاليل دقيقة للتربة في مختلف أنحاء الجمهورية.

وأظهرت نتائج التحاليل حقائق مقلقة حول صحة التربة ، تتمثل في رصد قطاع البحوث تراكمًا كبيرًا لعنصري “اليوريا والنترات” في الأراضي الزراعية نتيجة الاعتماد المفرط والعشوائي على الأسمدة الآزوتية (الكيميائية) طوال العقود الماضية.

و كشف رئيس الإدارة المركزية أن نحو 30% من الأسمدة الكيميائية تتصاعد في الهواء على شكل غاز الأمونيا دون أن يستفيد منها النبات، مما يمثل هدرًا ماليًا وضررًا بيئيًا بالغًا، و التربة لا تعتمد على عنصر النيتروجين وحده، بل تحتاج إلى منظومة عناصر متكاملة، و وسيادة عنصر على حساب العناصر الأخرى تؤدي إلى خلل يمنع النبات من امتصاص العناصر الغذائية الصغرى والكبرى (مثل الفوسفور والبوتاسيوم)، مما يقلل من القيمة الغذائية والتسويقية للمحصول، وأن”المبالغة في التسميد الكيميائي تؤثر سلبًا على جودة المنتجات، لاسيما النباتات الورقية التي لا ينصح باستخدام الكيماويات معها مطلقًا، قائلًا ” إننا ندعو المزارعين للعودة إلى الأصل.”

 

الخريطة السمادية والتسميد الذكي: العودة إلى “الأصل”

و قال شطا تبنت وزارة الزراعة مفهوم “التسميد الذكي” القائم على الاحتياجات الفعلية لكل قطعة أرض بناءً على طبيعتها الكيميائية ونوع المحصول المنزرع بها، من خلال إعداد “خريطة سمادية دقيقة”، لذلك تسعى الوزارة إلى تشجيع المزارعين على العودة إلى التسميد البلدي والمخصبات الحيوية لعدة أسباب إستراتيجية منها أن مصر تمتلك ثروة هائلة تقدر بنحو 40 مليون طن من المخلفات الزراعية ومخلفات المزارع سنويًا. وتحويل هذه المخلفات إلى أسمدة عضوية يساهم في رفع خصوبة التربة بشكل آمن ومستدام.

و بالرغم من أن البدائل الحيوية والأسمدة النيتروجينية المتوازنة قد تكون أعلى سعرًا في بعض الأحيان مقارنة بالأسمدة التقليدية المدعمة، إلا أن عوائدها الإنتاجية والاقتصادية أكبر بكثير، كونها تحمي التربة من التدهور وتمنح إنتاجية أعلى للفدان.

 

شهادة نجاح دولية بـ 11.5 مليار دولار

يشار إلى أن التزام مصر بالمعايير العالمية الصارمة في ترشيد استخدام الكيماويات والمبيدات لم يعد رفاهية، بل أصبح المحرك الأساسي لطفرة الصادرات الزراعية المصرية. فالأسواق الدولية، خاصة الأوروبية والعربية، تفرض شروطًا معقدة تتعلق بنسب متبقيات الكيماويات في المنتجات الغذائية.

وبفضل السياسات الرقابية والسمادية الجديدة، نجح القطاع الزراعي المصري في تحقيق أرقام قياسية غير مسبوقة، حيث قفزت العوائد الإجمالية للتصدير الزراعي إلى 11.5 مليار دولار، مقارنة بـ 3.5 مليار دولار فقط في عام 2019، كما نجحت مصر في تصدير مليوني طن من الموالح (الحمضيات)، لتتربع على عرش صدارة الدول المصدرة للموالح عالميًا، و هذه الأرقام تعكس بوضوح أن “الاستثمار في جودة المنتج” والتحول نحو الزراعة النظيفة يمثلان الركيزة الأساسية للاقتصاد القومي عبر توفير العملة الصعبة وتثبيت أقدام المنتج المصري عالميًا.

 

موسم حصاد القمح

وفي سياق متصل بملف الأمن الغذائي، وصف شطا موسم حصاد وتوريد القمح هذا العام بأنه موسم “استثنائي” وغير مسبوق في تاريخ الزراعة المصرية، مشيرًا إلى تحقيق طفرة واضحة في معدلات الإنتاجية والجودة.

وقد حققت المنظومة نجاحاً كبيراً في ملف توريد القمح، حيث استقبلت الصوامع والشون حتى الآن 4.4 مليون طن، بنسبة إنجاز بلغت 88% من المستهدف الإجمالي البالغ 5 ملايين طن. ومن جانب آخر، أسفرت الجهود التوسعية المباشرة عن إنتاج نحو 3.6 مليون طن من القمح، وهو ما يمثل قرابة 70% من المستهدف السنوي، في خطوة تعكس تقدمًا ملحوظًا في ملف الاكتفاء الذاتي النسبي.

وأوضح شطا أن هذا النجاح الكبير في تقليل الفجوة الاستيرادية لم يكن ليتأتى لولا الرؤية السياسية الثاقبة والتوجيهات الرئاسية بالمضي قدمًا في مسارين متوازيي هما التوسع الأفقي من خلال المشروعات القومية الكبرى التي أطلقتها الدولة مثل (الدلتا الجديدة، مستقبل مصر، توشكى الخير، شرق العوينات، مشروعات غرب المنيا وبني سويف، وتنمية سيناء) أضافت ملايين الأفدنة للرقعة الزراعية وضخت ملايين الأطنان من الأقماح عالية الجودة في شرايين المنظومة التموينية، مما يعزز الاستقرار الزراعي ويقلل الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج، و التوسع الرأسي عبر استنباط مركز البحوث الزراعية لأصناف وتقاوي جديدة من القمح تتميز بمقاومتها للتغيرات المناخية والأمراض، وتحقيقها لأعلى معدل إنتاجية للفدان الواحد، مع ترشيد استهلاك المياه.

جدير بالذكر أن الانتقال من التسميد التقليدي الغزير بالكيماويات إلى “التسميد الذكي” المتوازن، والاعتماد على الكارت الذكي لإغلاق منافذ التلاعب بالدعم، بالتوازي مع التوسع الأفقي في الصحراء، كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى صياغة مستقبل زراعي آمن ومستدام للأجيال القادمة، يضمن للمواطن غذاءً صحيًا، وللاقتصاد القومي موردًا متجددًا من النقد الأجنبي.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً