لم يعد التحدي الأكبر الذي يواجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) متمثلًا فقط في الحرب الأوكرانية أو التهديدات الروسية المتواصلة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بسؤال أكثر تعقيدًا، من سيقود الحلف في المستقبل إذا قررت الولايات المتحدة تقليص دورها الأمني في أوروبا؟ هذا السؤال يفرض نفسه بقوة داخل العواصم الأوروبية، حيث تتصاعد الخلافات بين فرنسا وألمانيا بشأن شكل الناتو ودور أوروبا داخله، في وقت أعادت فيه سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء المخاوف القديمة من الاعتماد المفرط على واشنطن.
5% من الناتج المحلى
وتشير تقارير أوروبية نشرتها صحيفة 20 مينوتوس الإسبانية ، إلى أن القارة تمر بمرحلة إعادة تموضع استراتيجي غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة. فالدول الأوروبية باتت تدرك أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لتحمل العبء الأمني نفسه الذي حملته لعقود، خاصة مع تركيز الإدارات الأمريكية المتعاقبة على المنافسة مع الصين والتحديات الداخلية. وقد زادت عودة ترامب إلى البيت الأبيض من هذه المخاوف بسبب مواقفه السابقة المنتقدة للناتو ومطالبته الأوروبيين بتحمل حصة أكبر من تكاليف الدفاع، وصولًا إلى اقتراحه رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما رأى فيه الأوروبيون ضغطًا غير مسبوق .
في هذا السياق، تبرز رؤيتان متنافستان لمستقبل الناتو في أوروبا، فمن جهة، تدعو فرنسا بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى ما يسمى “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية”، وهي رؤية ترى ضرورة بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة، مع بقاء أوروبا داخل الحلف.
ويصر ماكرون على أن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي يجب أن تستهدف الصناعة الدفاعية الأوروبية أولًا، قائلًا: “إذا أنفقنا أكثر، فليس لشراء معدات غير أوروبية” . وتستند هذه الرؤية إلى قناعة فرنسية راسخة بأن الاعتماد المفرط على واشنطن يشكل خطرًا على السيادة الأوروبية، خاصة في ظل سياسات أمريكية تعتبرها باريس “معولمة” و”تستهدف إضعاف أوروبا وإخضاعها”.
تعزيز الدول الأوروبى داخل الناتو
أما على الجانب الآخر، فتقود ألمانيا تيارًا مختلفًا، يرى في تعزيز الدور الأوروبي داخل الناتو وسيلة لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في الأمن الأوروبي، وليس بديلًا عنها. وتسعى برلين، التي تعهدت بمضاعفة إنفاقها الدفاعي ليصل إلى 124 مليار يورو، إلى بناء “ناتو أكثر أوروبية”، لكن مع الحفاظ على العلاقة عبر الأطلسي كركيزة أساسية .
ويوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتز أن الهدف هو “تجديد الحلف من خلال تعزيز عموده الأوروبي”، وهو نهج تحاول ألمانيا من خلاله إثبات جديتها لواشنطن لتجنب أي انسحاب أمريكي محتمل . وقد عبر مسؤولون ألمان عن استعدادهم لتحمل مسؤولية أكبر، لكنهم يؤكدون أن هذا لا يعني استبدال الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، بل تعزيز التعاون معه .
هذا التباين في الرؤى لم يمنع الأوروبيين من التحرك عمليًا لتعزيز قدراتهم. ففي قمة “إي 5” التي جمعت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا في برلين قبل قمة أنقرة، تم الاتفاق على خارطة طريق لتعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي، مع التركيز على مجالات حساسة مثل الدفاع الجوي، والأنظمة بدون طيار، والقدرات الصاروخية بعيدة المدى . كما تعهد الحلفاء الأوروبيون بتقديم دعم مالي كبير لأوكرانيا يصل إلى 70 مليار يورو سنويًا .
لكن قمة أنقرة التي انعقدت في يوليو 2026 كشفت عن عمق الانقسامات الداخلية، خاصة مع تصريحات ترامب التي هدد فيها إسبانيا بسبب تقاعسها عن رفع الإنفاق الدفاعي، وأعاد فيها إحياء أزمة جرينلاند، مما دفع المحللين للحديث عن أن الرئيس الأمريكي “اختطف القمة لخدمة أجندته السياسية الداخلية وصناعة الأسلحة الأمريكية” . ومع إعلان البنتاجون عن مراجعة “ناتو 3.0” التي تهدف إلى تسريع الانتقال نحو اعتماد أوروبي أكبر على الذات، يبدو أن الأوروبيين أمام خيارين: إما بناء قدراتهم بسرعة لملء الفراغ الذي قد تتركه واشنطن، أو المخاطرة بفقدان المظلة الأمنية الأمريكية التي حمتهم لعقود . وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الصراع على قيادة المستقبل داخل الناتو قد بدأ للتو، مع بقاء السؤال الأهم: هل ستتمكن أوروبا من الاتحاد خلف رؤية موحدة، أم ستبقى أسيرة صراعها الداخلي بين باريس وبرلين؟.