أكد الدكتور ناجي عبد الله، وكيل كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، أن زيارة البقاع المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة ليست مجرد رحلة تقاس بما تلتقطه العين من مشاهد دنيوية، وإنما هي سياحة روحية عظيمة تقاس بما تلتقطه الروح من نفحات القرب والهداية.
وأوضح خلال حواره على قناة أزهري، أن الموفق الحقيقي في هذه الرحلة المباركة هو من يحضر بقلبه قبل صورته، وبروحه قبل جسده، مشيرًا إلى أن القضية تتجاوز بكثير مجرد صورة يحتفظ بها صاحبها أو ذكرى عابرة، لتصل إلى المعنى الأعمق المتمثل في حضور الروح في المواطن التي خلقت الأرواح لتشتاق إليها.
وأضاف الدكتور ناجي أن الوقوف أمام الكعبة المشرفة أو في رحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم يضع العبد أمام فيض من الرحمات ونفحات من الأنوار التي تتجلى فيها معاني السكينة والخشوع.
وفي هذه المواطن المباركة، يصبح المطلوب من الإنسان أن يخفف من حمل الدنيا على قلبه، ويضع جانبًا شواغله وهمومه وصوره وأفكاره، ليترك لروحه مساحة تتنفس فيها من نسائم القرب الإلهي. وأشار إلى أن أعظم ما يمكن أن يفعله المرء في تلك اللحظات هو التخلي عن نفسه وعن زحمة العالم ليحضر بكليته بين يدي مولاه، فالأماكن لم تشرف بالبناء والحجارة وإنما بالأسرار الإلهية المودعة فيها.
وفي سياق متصل، حذر وكيل كلية الدراسات الإسلامية من الغفلة والانشغال بالخلق عن الخالق في هذه البقاع الطاهرة، مؤكدًا أن السعيد ليس من رأى المشهد بعينيه فقط، بل من رأت روحه ما وراء المشهد وعاد بقلب غير الذي ذهب به.
ودعا المسلمين إلى الحذر من أن ينشغل القلب بحكم الناس عليه في مواطن جاء فيها يطلب القبول من رب الناس، مستشهدًا بالفارق الكبير بين قلب جاء ليرى الناس أين وصل، وقلب جاء ليتصل بمولاه ويغيب عن الخلق ليتجلى له الحق.
واختتم الدكتور ناجي عبد الله حديثه بالإشارة إلى أن عبادات الإسلام وشعائره تقوم على المبنى والمعنى، وأن الخيط الوحيد الذي يربط العبد بربه ويمنح العبادة تأثيرها الحقيقي هو “التعظيم”، مستندًا إلى قوله تعالى: “ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”. وشدد على أن الدخول في هذه العبادات يتطلب اليقظة التامة وترك الهوى على الأعتاب، والتعرض للنفحات الإلهية بقلب خاشع منكسر يبتغي وجه الله وحده دون التفات لثناء الناس أو نظرهم.