كشف تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية بعنوان “سوق العمل في لبنان في خضم الأزمة: تقييم آثار تجدد النزاع وعدم الاستقرار الإقليمي”، أن سوق العمل اللبناني يواجه تحديات متزايدة نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والمالية وتداعيات النزاع الأخير، وسط تراجع معدلات التشغيل والدخل واتساع نطاق العمل غير المنظم، بما انعكس بصورة مباشرة على العاملين في القطاع الخاص وأوضاعهم المعيشية.
واستن التقرير إلى مسح ميداني أجري خلال مايو 2026 وشمل 2485 عاملا وعاملة في القطاع الخاص كانوا يعملون قبل استئناف النزاع في مارس 2026، وأوضح أن الأزمة الحالية جاءت امتدادا لسلسلة من الصدمات التي تعرض لها لبنان منذ عام 2019، بدءا من الأزمة المالية والاقتصادية، مرورا بجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، وصولا إلى النزاع الذي اندلع عام 2024 واستمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وهو ما أدى إلى دخول سوق العمل المرحلة الحالية وهو يعاني بالفعل من اختلالات هيكلية ومستويات مرتفعة من الهشاشة.
شكلت النساء 30.1% من إجمالي المشاركين في المسح
وبحسب التقرير، شكلت النساء 30.1% من إجمالي المشاركين في المسح، بينما بلغت نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة 3.1%. ومثل اللبنانيون 71.9% من العينة، مقابل 20.1% من اللاجئين السوريين، و3.9% من الفلسطينيين، فيما بلغت نسبة الجنسيات الأخرى 4.1%، وكانت الغالبية منهم من العمالة المنزلية المهاجرة، كما كشف التقرير أن66.5% من العاملين بأجر كانوا يعملون في وظائف غير منظمة قبل الأزمة، بواقع 60.6% بين النساء و69.9% بين الرجال، وهو ما يعكس اتساع الاقتصاد غير المنظم وهشاشة أوضاع التشغيل.
ورصد التقرير اتساع نطاق النزوح بين العاملين، حيث أفاد 37.4% من المشاركين بأنهم كانوا نازحين وقت تنفيذ المسح، بينما ذكر 14.2% أنهم نزحوا خلال فترة النزاع ثم عادوا لاحقا إلى أماكن إقامتهم. وسجلت محافظة النبطية أعلى معدلات النزوح بنسبة 97.6%، تلتها محافظة الجنوب بنسبة 57.6%، بينما بلغت في جبل لبنان 33.6%.
ارتفع متوسط عدد أفراد الأسرة من 4.9 أفراد قبل النزاع إلى 6.2 أفراد
وامتد تأثير النزوح إلى البنية الاقتصادية للأسر، إذ ارتفع متوسط عدد أفراد الأسرة من 4.9 أفراد قبل النزاع إلى 6.2 أفراد بعده نتيجة انتقال العديد من الأسر للإقامة مع أقاربها أو مشاركة مساكن مع أسر أخرى، في حين انخفض متوسط عدد العاملين داخل الأسرة من شخصين إلى 1.6 عامل، وهو ما يعكس تراجع مصادر الدخل داخل الأسرة الواحدة.
وأكد التقرير أن خسائر الوظائف كانت واسعة النطاق، إذ توقف 33% من العاملين المشمولين بالمسح عن العمل وقت إجراء الدراسة، منهم 28.2% أصبحوا عاطلين عن العمل، بينما خرج 4.7% من قوة العمل بالكامل، واعتبر التقرير النزوح أحد أبرز أسباب فقدان الوظائف، حيث ظل أكثر من ثلثي العمال النازحين خارج سوق العمل خلال فترة المسح.
وجاءت المحافظات الأكثر تأثرا بالنزاع في مقدمة المناطق التي سجلت أعلى معدلات فقدان الوظائف، إذ بلغت النسبة 76.5% في محافظة النبطية و43.2% في محافظة الجنوب، إلا أن التداعيات لم تقتصر على المناطق التي شهدت العمليات العسكرية، حيث سجلت محافظتا عكار وشمال لبنان أيضا تراجعا في التشغيل، مع وصول خسائر الوظائف إلى 13.7% و9.1% على التوالي، نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي وضعف الطلب وارتفاع معدلات التضخم واضطراب الأسواق.
وعلى مستوى القطاعات الاقتصادية، أوضح التقرير أن الأنشطة العقارية والفنون والترفيه سجلت أعلى معدلات فقدان الوظائف بنسبة 60%، تلتها العمالة المنزلية بنسبة 51.7%، ثم الأنشطة الإدارية وخدمات الدعم والخدمات الأخرى بنسبة 44.5%، وخدمات الإقامة والطعام بنسبة 42.6%، في المقابل، كانت قطاعات تكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والمهنية والكهرباء وإمدادات المياه الأقل تأثرا.
الأزمة أثرت بصورة أكبر على الفئات الأكثر هشاشة
كما أظهرت نتائج المسح أن الأزمة أثرت بصورة أكبر على الفئات الأكثر هشاشة، إذ بلغت نسبة فقدان الوظائف بين الأشخاص ذوي الإعاقة 71.4%، وبين النساء 44.3%، وبين الشباب من 15 إلى 24 عاما 42.4%، وبين اللاجئين السوريين 39.4%، فيما وصلت بين العاملين بأجر في وظائف غير منظمة إلى 37.7%، كذلك ارتفعت معدلات فقدان الوظائف بين أصحاب المستويات التعليمية الأقل، والعاملين دون عقود مكتوبة، والعاملين في المؤسسات الصغيرة.
وكشف التقرير أن ضعف الطلب على العمالة أصبح العقبة الرئيسية أمام العودة إلى سوق العمل، حيث أفاد 68.1% من العاطلين عن العمل بعدم تمكنهم من العثور على وظيفة مناسبة، بينما ارتفعت النسبة إلى 86.1% بين العمال السوريين، كما أشار 43.2% من العاطلين إلى أن النزوح أو الانتقال من مكان الإقامة حال دون عودتهم للعمل، فيما اعتبر 16.2% أن الأوضاع الأمنية تمثل العائق الرئيسي أمام العودة.
أما بالنسبة للأشخاص الذين خرجوا من قوة العمل، فقد ذكر 55.1% أن النزوح كان السبب الرئيسي لذلك، بينما أوضح 44.1% أنهم ما زالوا ينتظرون استدعاء أصحاب أعمالهم السابقين للعودة إلى وظائفهم.
تحديات إضافية تواجه النساء في العودة إلى سوق العمل
ورصد التقرير تحديات إضافية تواجه النساء في العودة إلى سوق العمل، إذ أشارت 27.3% من النساء اللاتي خرجن من قوة العمل إلى أن مسؤوليات الأسرة ورعاية أفرادها تمثل السبب الرئيسي لعدم العودة، مقابل 1.6% فقط بين الرجال، كما برزت القيود المالية، مثل ارتفاع تكاليف النقل والنفقات المرتبطة بالعمل، ضمن أبرز العوائق أمام النساء.
وفيما يتعلق بالحركة داخل سوق العمل، أوضحت النتائج أن 57.4% من المشاركين استمروا في وظائفهم وفي المحافظات نفسها، بينما احتفظ 4.8% بوظائفهم وانتقلوا إلى محافظة أخرى، في حين غير 4.8% وظائفهم بالكامل، وأشار التقرير إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة كانوا الأكثر تعرضا للإقصاء من سوق العمل، حيث لم يتمكن أي من المشاركين من هذه الفئة من الحصول على وظيفة جديدة حتى موعد إجراء المقابلات.
ورغم محدودية الانتقال إلى وظائف جديدة، إلا أن العودة إلى العمل ارتبطت في كثير من الحالات بانخفاض الأجور وتراجع جودة الوظائف، فقد انخفض متوسط أجور العاملين الذين انتقلوا إلى وظائف جديدة بنسبة 30.7% مقارنة بأجورهم السابقة، كما لم ينتقل إلى العمل المنظم سوى 5.9% من هؤلاء العاملين، بينما التحق 61.3% بوظائف غير منظمة، واتجه 32.8% إلى العمل لحسابهم الخاص، في حين لم يتمكن أي عامل كان يعمل في وظيفة غير منظمة قبل الأزمة من الانتقال إلى وظيفة منظمة، وهو ما يعكس استمرار صعوبة الانتقال إلى سوق العمل المنظم.
الرجال كانوا أكثر ميلا لتغيير وظائفهم مقارنة بالنساء،
كما أظهرت النتائج أن الرجال كانوا أكثر ميلا لتغيير وظائفهم مقارنة بالنساء، إذ بلغت النسبة 5.2% مقابل 3.9%، إلا أن 2.2% فقط من الرجال الذين غيروا وظائفهم حصلوا على وظيفة منظمة، مقابل 17.2% من النساء، ولم يقتصر تأثير الأزمة على الوظائف فقط، بل امتد إلى مستويات الدخل، حيث انخفض متوسط دخل العاملين الذين احتفظوا بوظائفهم بنسبة 14.8%، بينما قدر التقرير انخفاض متوسط دخل العمل الإجمالي بنحو 40.4% بعد احتساب العاملين الذين فقدوا وظائفهم بالكامل.
وأشار التقرير إلى أن 72.8% من العاملين الذين شهدت دخولهم تغيرا أكدوا أن خفض الأجور لم يكن متناسبا مع التغير في ساعات أو أيام العمل، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الدخل وحجم العمل، وسجل الرجال انخفاضا في متوسط الأجور بنسبة 15.5% مقابل 12.4% بين النساء، بينما كان التراجع أكبر بين الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ انخفض متوسط أجورهم بنسبة 29.2% مقارنة ب14.7% بين غيرهم.
وأشار التقرير إلى أن العمال من الجنسيات الأخرى، ومعظمهم من العمالة المنزلية المهاجرة، تعرضوا لأكبر انخفاض في مستويات الأجور نتيجة تمركزهم في وظائف منخفضة الأجر وضعف مستويات الحماية العمالية، كما تراجع حجم العمل بصورة ملحوظة، إذ أفاد 28.3% من العاملين بانخفاض عدد أيام العمل، بينما ذكر 27.5% انخفاض ساعات العمل اليومية.
33.5% لا يشعرون بأي ثقة على الإطلاق في استمرار وظائفهم
وفيما يتعلق بالأمان الوظيفي، أظهرت النتائج أن 7.4% فقط من العاملين لديهم ثقة كبيرة في استقرار وظائفهم، مقابل 33.5% لا يشعرون بأي ثقة على الإطلاق في استمرار وظائفهم، وكانت مستويات الثقة الأدنى بين العمال غير اللبنانيين.
وأشار التقرير إلى أن محدودية الدعم الحكومي دفعت الأسر إلى الاعتماد بصورة أساسية على مدخراتها الشخصية وشبكات الدعم العائلية والمجتمعية لمواجهة انخفاض الدخل، بينما لم تتجاوز نسبة من تمكنوا من الحصول على قروض رسمية أو غير رسمية 1%، الأمر الذي حد من قدرة كثير من الأسر على مواجهة تداعيات الأزمة.
كما أفاد أكثر من 40% من العمال اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين بأنهم اضطروا إلى تأجيل سداد القروض أو الفواتير المنزلية، في ظل الضغوط المالية المتزايدة، وأوضح التقرير أن الدعم الحكومي المباشر ظل محدودا، إذ حصل 4% فقط من العمال اللبنانيين على مساعدات مالية حكومية، مقابل 0.4% من العمال السوريين، فيما لم يسجل أي عامل من الجنسيات الأخرى حصوله على هذا النوع من الدعم، في المقابل، اعتمد اللاجئون السوريون بصورة أكبر على المساعدات الإنسانية، حيث تلقى 15.6% منهم دعما ماليا من المنظمات غير الحكومية.
كما لجأت الأسر إلى خفض الإنفاق، وخاصة على الغذاء، إذ خفض 33.4% من السوريين إنفاقهم الغذائي، إلى جانب 27.8% من اللبنانيين و27.1% من الفلسطينيين، وبشأن دور أصحاب الأعمال، أوضح التقرير أن 10.8% فقط من العاملين بأجر حصلوا على أشكال مختلفة من الدعم من أصحاب العمل. وبلغت النسبة 12.7% بين اللبنانيين، و9.4% بين السوريين، و4.5% بين الفلسطينيين، و1.4% فقط بين الجنسيات الأخرى.
وكان العاملون في المؤسسات الكبيرة الأكثر استفادة من هذا الدعم، إذ حصل عليه 27.9% من العاملين في المؤسسات التي تضم 50 عاملا أو أكثر، مقابل 6.3% فقط في المؤسسات التي لا يزيد عدد العاملين فيها على خمسة، وتركز دعم أصحاب العمل بصورة رئيسية في توفير السكن أو المأوى المؤقت، حيث استفاد منه 39.8% من الحاصلين على الدعم، بينما تلقى 35.2% مساعدات مالية أو بدلات نقدية.
45.5% أن الحصول على وظيفة مستقرة يمثل أولويتهم الأساسية
وفيما يتعلق باحتياجات التعافي، أشار التقرير إلى أن 9.9% فقط من المشاركين أكدوا أنهم لا يحتاجون إلى أي نوع من الدعم، بينما اعتبر 45.5% أن الحصول على وظيفة مستقرة يمثل أولويتهم الأساسية، وأكد 37.7% حاجتهم إلى دعم يساعدهم على الحصول على دخل أعلى وأكثر انتظاما، كما أبدى 18.8% رغبتهم في الحصول على تمويل لإنشاء مشروع صغير أو دعم استمراره، بينما احتاج 11.1% إلى معلومات عن فرص العمل، و9.9% إلى تحسين ظروف العمل، و9.9% إلى أدوات أو معدات تساعدهم على استئناف نشاطهم.
وأكد التقرير على أهمية الجمع بين التدخلات الإنسانية العاجلة والإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل، مع التركيز على توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ودعم الحفاظ على فرص العمل، والاستثمار في البرامج كثيفة الاستخدام للعمالة، وتعزيز نظم معلومات سوق العمل، وتنمية المهارات، وتحسين سياسات الأجور، ودعم الانتقال التدريجي من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، بما يسهم في تعزيز فرص التشغيل ودعم تعافي سوق العمل اللبناني.