المعجم التاريخي للعربية.. مشروع الأمة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

13 يوليو 2026 12:30 مساء
|

آخر تحديث:
13 يوليو 12:30 2026


icon


الخلاصة


icon

انطلاق المعجم التاريخي للعربية بالشارقة برؤية سلطان القاسمي: 127 مجلداً يوثق تطور الألفاظ ودلالاتها بجهود مئات الباحثين ويخدم التعليم والترجمة

– رسم ملامح تاريخ المفردات العربية وأصولها

انطلق قبل سنوات في الشارقة، عاصمة الثقافة في العالم العربي، واحد من أعظم المشاريع اللغوية التي عرفتها الأمة العربية في العصر الحديث؛ مشروع المعجم التاريخي للغة العربية، الذي أسهم في رسم ملامح تاريخ المفردات العربية وأصولها وتطوراتها عبر قرون ممتدة. وما كان لهذا المشروع الضخم أن يرى النور لولا رؤية استراتيجية وثقافية عميقة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي وضع خدمة اللغة العربية في صميم اهتمامه الشخصي والثقافي، والذي تحوّلت معه الشارقة خلال العقود الأخيرة إلى عاصمة فعلية لمشروعات حفظ اللغة العربية وصون هويتها الثقافية.

جاء صدور المعجم التاريخي للغة العربية في الشارقة حدثاً ثقافياً، لا يقتصر أثره على أهل اللغة والمتخصصين، بل يمتد إلى صورة العرب عن أنفسهم وماضيهم ومستقبلهم، فالمعجم هنا مشروع بنية تحتية معرفية يعيد تنظيم ذاكرة العربية عبر قرون، ويضعها في متناول الباحث والطالب والمترجم والقارئ العام، ويمثل سجلاً لحضارة كاملة ومرآة لمسيرة لغة امتدت قروناً طويلة من التشكل والتطور والتفاعل مع العالم.

ضرورة لغوية

المعجم التاريخي للغة العربية، الذي يصدق عليه وصف صاحب السمو حاكم الشارقة، بأنه ضرورة لغوية وحضارية وتاريخية، وإنجازه سيحدث حركة عظيمة في ميدان الكتابة والتأليف والإبداع الأدبي والإنتاج الشعري، وسيعود بالعربية إلى أمجادها، ويبعث فيها الحيوية والحركة من جديد، وإن كانت العربية لم تمت ولن تموت لارتباطها بوحي السماء، خاصة أن جل اللغات الحية امتلكت معاجم مماثلة منذ حقب طويلة، إلا أن اللغة العربية كانت تنتظر من يمتلك مثل هذه الإرادة القوية وهذا العطاء السخي في سبيل ما يشكِّل أحد أعظم إنجازاتها على مر التاريخ.

يُعد المعجم التاريخي مشروعاً غير مسبوق من حيث الحجم والزمن وأعداد العاملين فيه، فقد استغرق إنجازه الكامل نحو سبع سنوات من العمل المتواصل، وأسهم فيه ما يقارب 500 باحث، إضافة إلى مئات من المدققين والمراجعين والفنيين في الطباعة والنشر، وقد أُنجز المعجم وطُبع في صورة عمل موسوعي ضخم بلغ 127 مجلداً، تغطّي شجرة الألفاظ العربية من أقدم عصور النقوش والكتابات إلى العصر الحديث.

وراء هذه الأرقام تتبدى طبيعة الجهد العلمي المطلوب لإنجاز معجم من هذا النوع، من قراءة آلاف المصادر والمراجع، والمدونات القديمة في الشعر والحديث والفقه واللغة، إلى المؤلفات الفلسفية والعلمية، مروراً بنصوص العصور اللاحقة ونتاج النهضة والقرن العشرين، ثم تتبع الشواهد وتوثيقها وتاريخها وربطها بالمداخل المعجمية على نحو دقيق.

ميزة

على خلاف المعاجم اللغوية التقليدية التي تقدّم معنى «ثابتاً» للكلمة، فإن المعجم التاريخي يأتي ليقدم «سيرة حياة» لكل لفظة عربية تقريباً، من حيث تاريخ ظهورها، وتحولات صيغها، وتبدل دلالاتها، والسياقات النصية التي عاشت فيها عبر العصور، وهنا فإننا نبحث عن معنى الكلمة، وعن قصتها، ومتى دخلت المعجم العربي، وفي أي بيئة ظهرت وتطورت سواء بدوية أو حضرية، فقهية أم فلسفية، وكيف تغير معناها حين انتقلت من حقل إلى آخر.
بهذا المعنى، يتحوّل المعجم من قائمة جافة بالجذور والمعاني إلى مرجع تاريخي للثقافة ذاتها، فحين تتابع، مثلاً، مسار كلمات مثل «حرية»، «عقل»، «مدينة»، «أمة»، أو حتى ألفاظ يومية بسيطة، ستجد أن اللغة العربية حية تتفاعل مع تحولات المجتمع والفكر والسياسة.

ولعل أهمية المعجم تكمن في أنه جمع وكتب بعقلية «المشروع الجماعي» لا «الإنجاز الفردي»، بجهود مئات الباحثين والمدققين من بلدان عربية مختلفة عملوا في فرق، مستندين إلى النصوص القرآنية والحديثية، وأمهات كتب الأدب والتاريخ والفقه والعلوم، وصولاً إلى النصوص الحديثة، وهذا التعاون العلمي العابر للحدود يعيد إلى الأذهان روح العمل الموسوعي القديم، لكنه مسنود اليوم بأدوات رقمية ومنهجيات حديثة.

آفاق جديدة

يفتح المعجم آفاقاً جديدة على مستوى التعليم لطرق تدريس العربية، فالمعلّم يمكنه أن يُري الطالب مسار الكلمة التاريخي كيف خرجت من الجذر، وكيف اتسعت أو ضاقت دلالتها، وما علاقتها بمجازات الشعراء والمفسرين والكتاب، وهذا النوع من التعليم يحول اللغة من قواعد إلى سردية، ومن حفظ أصم إلى اكتشاف وتعمق، وهو ما تحتاج اليه الأجيال الجديدة حتى تعيد اكتشاف العربية بروحها الحقيقية.

وإذا ما تطرقنا للترجمة، فالمترجم يستفيد من هذا المعجم عندما يواجه مصطلحاً عربياً يريد نقله إلى لغة أخرى، يمكنه العودة إلى جذور اللفظة، لرؤية الحمولات الثقافية التي حملتها عبر الزمن، ومن ثم اختيار مقابل أجنبي أكثر دقة لروح النص، الأمر نفسه ينطبق على الباحث في التراث أو الفكر، إذ يصبح قادراً على أن يربط بين تحول المفهوم وتحول الكلمة التي تعبر عنه.

أيضاً على مستوى البحث الأكاديمي، يتيح المعجم لدارس تاريخ العلوم، مثلاً، أن يتتبع نشأة المصطلحات العلمية في الطب أو الفلك أو الفلسفة، وكيف عربت، وكيف اختلط فيها اليوناني والفارسي والهندي بالعربي، فيرى أمامه خارطة للتثاقف الذي شهدته الحضارة الإسلامية.

رؤية

يقف اسم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في قلب هذا الإنجاز التاريخي، وهو صاحب رؤية ثقافية متكاملة تجاه اللغة العربية ومكانتها في حاضر الأمة ومستقبلها، فسموه، بصفته رئيساً لمجمع اللغة العربية في الشارقة، تبنى فكرة المعجم التاريخي ليكون مشروعاً قومياً عربياً، ويستجيب لحاجة مؤجلة منذ عقود لإنجاز معجم تاريخي يليق باللغة العربية.

كما أن هذا الإنجاز هو امتداد طبيعي لمسار طويل قادت فيه الشارقة مشروعات ثقافية ومعرفية متصلة باللغة العربية، من معارض الكتب إلى دعم النشر والترجمة، وإنشاء المجمعات والمؤسسات المتخصصة، وعملت الإمارة على توفير بيئة علمية مساعدة، من خلال المؤتمرات والندوات الدورية التي ناقشت آليات العمل في المعجم التاريخي، وفتحت قنوات تواصل مع الباحثين في أوروبا والعالم الإسلامي، خاصة مع ازدياد الاهتمام العالمي بدراسات العربية واللسانيات التاريخية.

إلى جانب ذلك، حرصت الشارقة على أن يكون للمعجم بعد رقمي، لا يقتصر على النصوص المطبوعة، بل يتجاوزها إلى منصات إلكترونية تتيح للباحثين والطلاب ومحبي العربية الاطلاع على المداخل المعجمية والبحث فيها، بما يواكب التحول الرقمي في المعرفة ويضمن انتشاراً أوسع للمحتوى، هذا التوجه يجعل من المعجم التاريخي مشروعاً مستداماً، قابلاً للتحديث والإضافة والتكامل مع قواعد بيانات أخرى في الدراسات العربية.

يأتي المعجم التاريخي للغة العربية، في لحظة تشهد فيها العربية تحديات متعددة، من ضغط اللغات الأجنبية في التعليم والإعلام، والتغير السريع في أنماط التواصل، واتساع الفجوة بين الفصحى والعاميات، وفي هذا السياق، يعيد المعجم ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر، فلا يجعل اللغة حبيسة القالب التراثي، ويسعى لبيان أن التطور الدلالي للغة إنما هو ظاهرة طبيعية، وأن الحفاظ على اللغة لا يعني تجميدها، بل فهم قوانين تجددها وضبط هذا التجدد بوعي علمي، مع رغبة في البناء على هذا الإنجاز واعتباره خطوة تأسيسية لمشروعات معرفية أكبر.

ملامح

– يعتبر المعجم أكبر إنجاز ثقافي في هذا القرن

– 780 مشاركاً من المحررين والمدققين والمشرفين.

– 20 مؤسسة عربية ما بين مجمع لغوي وجامعة ومركز.

– جاء في 127 جزءاً تحتوي على 12,141 جذراً

– 348,406 شواهد من القرآن والحديث والشعر والنثر.

– حصل المعجم على شهادة موسوعة غينيس.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً