10 يوليو 2026 01:29 صباحًا
|
آخر تحديث:
10 يوليو 01:30 2026
في الشرق الأوسط لا تكفي الاتفاقات وحدها لتنفيذ السلام. التوقيع لا يمثل نهاية الأزمات بقدر ما يمثل بداية اختبار أكثر صعوبة. فالتاريخ الحديث للمنطقة يكشف أن العقبة الكبرى لم تكن غالباً في الوصول إلى طاولة المفاوضات، بل في القدرة على تنفيذ الاتفاقات نفسها. لهذا تبدو الاتفاقات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك «اتفاق الإطار» الذي رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل، أمام امتحان مُشتَرك هو الفجوة الشاسعة بين النصوص المكتوبة والواقع الميداني.
الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي أُعلن في يونيو (حزيران) 2026 لم يكن معاهدة سلام نهائية، بل مذكرة تفاهم تهدف إلى وقف التصعيد وفتح باب مفاوضات تمتد لمدة ستين يوماً حول الملفات الأصعب، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والأموال الإيرانية المُجمدة، وأمن الملاحة في مضيق هرمز. ومنذ الأيام الأولى، ظهرت خلافات حول ترتيب تنفيذ البنود، وتفسير بعض الالتزامات، بينما ركزت الجولات الأخيرة في الدوحة على مسائل فنية تتعلق بالملاحة البحرية أكثر من تركيزها على الملف النووي.
أما الملف اللبناني فقد أعلنت أمريكا اتفاقاً إطارياً بين لبنان وإسرائيل يربط الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من جنوب لبنان بتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتقليص وجود حزب الله في تلك المناطق ونزع سلاحه. لكن الاتفاق واجه اعتراضات داخلية، إذ رفضه حزب الله وحركة أمل وعدد من السياسيين في لبنان مثل وليد جنبلاط وسليمان فرنجية، بينما أيده حزبا القوات والكتائب. واعتبر رئيس مجلس النواب أن الاتفاق غير قابل للتنفيذ بصيغته الحالية، وقد يَجرّ إلى فتنة داخلية. أما إسرائيل فرحبت به لكنها أكدت أنها لن تنسحب قبل نزع سلاح المقاومة.
وهنا تتشابه القضيتان بصورة لافتة. فأمريكا تُطالب إيران بخطوات عملية قبل تقديم المزيد من التخفيف للعقوبات، بينما إيران تطالب بضمانات اقتصادية وسياسية قبل تقديم تنازلات أكبر. وفي المقابل، تُطالب إسرائيل لبنان بإجراءات أمنية ملموسة قبل أي خطوة انسحاب، بينما يُطالب لبنان بانسحاب إسرائيلي وضمانات لسيادته قبل تنفيذ بقية الالتزامات. في الحالتين ينتظر كل طرف أن يبدأ الآخر أولاً.
هذه المُعضلة ليست جديدة في علم التفاوض وتعرف بمشكلة التسلسل في التنفيذ، حيث يتحول الخلاف من مضمون الاتفاق إلى ترتيب التنفيذ، فيصبح السؤال: من يخطو الخطوة الأولى؟ ومن يضمن ألا يستغل الطرف الآخر تلك الخطوة لصالحه؟ وتزداد المشكلة تعقيداً لأن اللاعبين الحقيقين لا يقتصرون على الحكومات الموّقِعة. ففي الملف الإيراني، تبقى إسرائيل طرفاً مؤثراً في الحسابات الأمنية الأمريكية، وتعترض على بعض بنود الاتفاق. كما تظل القوى الإقليمية والخليجية تراقب بدقة خطوات التنفيذ ومدى تأثيرها في اقتصادها. وفي لبنان لا يقتصر الأمر على حكومتي لبنان وإسرائيل، بل يشمل المقاومة والجيش اللبناني، وقوى سياسية داخلية، وأمريكا، ودولاً إقليمية، ما يجعل تنفيذ أي من الاتفاقين مرتبطاً بمواقف أطراف لم توقع ولم تُستشر.
تشير تحليلات مراكز الأبحاث الدولية إلى أن الاتفاقات الانتقالية تنجح عادة عندما تتوفر ثلاثة عناصر: آلية تَحقق مُستقلة، وجدول زمني واضح، وحوافز مُتَبادلة تجعل الالتزام أكثر ربحاً للطرف المُبَادِر. أما إذا غابت هذه العناصر، فإن الاتفاق يبقى على الورق، ويتعثر في الميدان. ولهذا يرى عدد من الباحثين أن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد لا يصمد بسبب الخلافات على ترتيب التنفيذ وآليات التحقق، وهو توصيف ينطبق بدرجة كبيرة على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي.
من اللافت أن الأسواق الدولية تنظر إلى هذه الاتفاقات بطريقة مختلفة عن السياسيين. فالمستثمر لا يسأل فقط: هل وُقع الاتفاق؟ بل يسأل أيضاً: هل سَيُنَفذ؟ ولهذا شهدت أسعار النفط والأسواق المالية تفاعلاً مع كل تصريح إيجابي أو سلبي يصدر عن المفاوضات، لأن الثقة الاقتصادية تُبنى على التنفيذ أكثر من بنائها على البيانات السياسية. هذا بالطبع لا يعني أن الاتفاقيات محكومة بالفشل، كما لا يعني أنها ستنجح تلقائياً. فالخبرة التاريخية تشير إلى أن كثيراً من الاتفاقات الكبرى مرت بمراحل طويلة من التعثر قبل أن تستقر، بينما انهارت اتفاقات كثيرة لأنها لم تستطع تجاوز مخاوف الخطوة الأولى. الأهم أن السلام لا يولد لحظة توقيع الورق.
بين التوقيع والتنفيذ توجد مساحة واسعة اسمها «الثقة»، وهي في الشرق الأوسط أصعب من الحرب نفسها، وهذا ما شهدناه من عودة الضربات العسكرية إلى المنطقة.
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية