4 يوليو 2026 14:36 مساء
|
آخر تحديث:
4 يوليو 15:07 2026
أنقرة تُجمّل طرقها لقمة الناتو وتُخفي الفقر؛ تكاليف ضخمة وإغلاقات وحظر تجمعات تضرّ بالتجار وتثير احتجاجات «هذا المكياج ليس لنا»
على الطريق المؤدي إلى مطار أنقرة، يعمل موظفو البلدية بلا كلل تحت أشعة الشمس لتزيين حواف الطريق بالزهور، وإخفاء أيّ مشهد غير مرغوب فيه، من منازل متداعية، أو أحياء فقيرة، بواسطة لوحات إعلانية عملاقة.
لكنّ السكّان يرون، كما المعارضة، أن هذه الأشغال لا تعدو كونها تجميلية، وتهدف إلى تحسين الصورة، فحسب، أمام رؤساء وأعضاء وفود الدول الـ 32 المنتظر وصولهم إلى العاصمة التركية، اعتباراً من الثلاثاء، للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومن بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وستغلق التدابير الأمنية طرقاً رئيسية عدة، خلال يومَي القمة، وسيضطر السكان والتجار تالياً إلى الإقلال من تنقلاتهم، وفي بعض الحالات إلى إقفال محالهم، مؤقتاً. كما حُظر أي تجمع، أو تظاهرة في أنقرة منذ 28 يونيو/ حزيران الماضي، حتى نهاية القمة.
ويعرب الرئيس المشارك لحزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» (ديم)، المعارض والمؤيد للأكراد، تونجر بكرهان، عن احتجاجه قائلاً: «إن أنقرة تحولت عملياً إلى سجن في الهواء الطلق. والعاصمة كلها مشلولة لتسهيل حركة بضعة مواكب رسمية».
ويضيف: «يُقال حتى إنهم سيغلقون الحدائق كي يتمكن أحد الرؤساء من الجري فيها»، مردّداً شائعة، صدر نفيٌ لها، بشأن إغلاق عدد من حدائق العاصمة ليمارس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رياضته الصباحية فيها. ويستنتج بكرهان أن «السكان يُعاملون، وكأنهم غير مرغوب فيهم في مدينتهم».
إخفاء الأحياء الفقيرة
وفقاً للصحافة التركية، تجاوزت كلفة جميع الاستعدادات، والتي تشمل تجديد مطار عسكري، وشق طرق جديدة، 11 مليار ليرة تركية (نحو 235 مليون دولار). وتعلل السلطات هذه الأشغال بوصفها استثمارات طويلة الأجل تهدف إلى تحديث البنية التحتية للعاصمة.
لكن أوميت أوركان، وهو صاحب متجر بقالة يحتج قائلاً: «إنها أموالنا التي تُبدّد، فالمال لا يُنفق علينا، أو على الأحياء الفقيرة المتوارية خلف هذه اللوحات الإعلانية، بل يُنفق على رؤساء دول أخرى».
ويضيف أوركان شاكياً: «نحن أصحاب المتاجر نمرّ بوضع صعب للغاية، فلم يعد بإمكان الزبائن القدوم، ومضطرون للإغلاق لمدة أسبوع. لديّ سبعة موظفين، وعليّ دفع تكاليف التأمين والإيجار، لكن لا يوجد أيّ تعويض لخسارة الدخل».
ويشرح بائع الزهور قادر كوكوس: «يعتمد عملنا على الظهور بوضوح، إذ يتوقف الزبائن عندما يرون نباتاتنا، غير أن هذه اللافتات تسببت بتراجع مبيعاتنا بنسبة 95%». ويردف متنهداً: «لا حيلة لنا في هذا الأمر. علينا تحمّل الوضع لمدة عشرة أيام»، منذ بدء تركيب اللافتات الضخمة في أواخر يونيو/ حزيران الماضي.
كل هذا المكياج ليس لنا
من ناحية أخرى، يغتنم الاتحاد التركي لسائقي سيارات الأجرة هذه الفرصة، إذ يفرض على السائقين ارتداء سراويل رمادية، وقمصان بيضاء، ويخطط لحملة شاملة تهدف إلى كسب ودّ الزوار. وقال رئيس الاتحاد محمد يجينر: «سنقدم لزبائننا الماء، والحلقوم التركي، والعطر، لإظهار حسن الضيافة التركية».
ومن المستجدات الأخرى: ستُسيّر الشرطة الخيالة دوريات في العاصمة للمرة الأولى، كما جرى ردم الحفر في الطرق، وإعادة طلاء الأرصفة، وضُبطت، أخيراً، أغطية فتحات الصرف الصحي لتصبح بمستوى الأسفلت تماماً.
وتثير كل الاستعدادات الكثير من الدعابات على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يقول أحدهم: «في هذه الأيام، إذا بذلت جهداً من أجل ضيوفك، سيقول الناس إنك تستضيف حلف الناتو»، بينما يقترح آخر، أن تقدم صالونات التجميل «خدمات الناتو» لزبائنها.
ويتحسّر جيم أوزبك، الذي يدير متجراً للمعجنات قرب شارع سيُغلق أثناء انعقاد القمة: «كل هذه الجهود جيدة، لكنني كنت أودّ أن تكون من أجلنا لا من أجل حلف الناتو». ويضيف معبّراً عن مخاوفه: «الطرق المحظورة معروفة مسبقاً، لكن المسارات البديلة غير واضحة. وسيواجه زبائننا وموظفونا وموردونا، صعوبة في الوصول إلى هنا، ستعاني المشاريع الصغيرة معاناة شديدة».
في هذه الأثناء، يفضّل سكان مغادرة العاصمة، إذ امتلأت القطارات والطائرات المغادرة لأنقرة مع اقتراب موعد القمة. ويقول ديمير باليمير، وهو خريج جامعي حديث: «لا أعتزم البقاء في المدينة، فالعديد من الأماكن ستكون مغلقة، وستتعطل حركة النقل».
وتقول سيما، وهي طالبة، بأسى: «كل هذا المكياج ليس لنا»، مردّدة نكتة انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي: «لو كان ماكرون يستخدم وسائل النقل العام، لربما حظينا أخيراً بتكييف الهواء في الحافلات».