خالد جلال لـ«اليوم السابع»: حلم مركز الإبداع بدأ من مخزن مهمل وتحول لأكبر مصنع نجوم.. معظم الوجوه على الشاشة مروا من مركز الإبداع ولا أُعلِّم الممثل كيف يتكلم فقط.. الفن مسؤولية وسر النجاح الإلتزام قبل الموهبة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


لم يكن «مركز الإبداع الفنى» مجرد مؤسسة لتدريب الممثلين، بل تحول خلال أكثر من عقدين إلى أحد أهم مصانع النجوم فى مصر، بعدما خرج أجيالًا من الممثلين والمخرجين والكتاب، الذين أصبحوا اليوم فى صدارة المشهد الفنى.

فى هذا الحوار، يفتح المخرج الكبير خالد جلال خزائن الذاكرة، ويروى كيف بدأت الفكرة من مخزن مهمل خلف دار الأوبرا المصرية، وكيف تحولت إلى مشروع آمن به وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، قبل أن يصبح أحد أنجح مشروعات اكتشاف المواهب فى الوطن العربى.
بعد مرور 24 عامًا على تأسيس مركز الإبداع.. كيف بدأت الحكاية؟

بدأت الحكاية من مسرح الجامعة، هناك تشكل داخلى الإيمان بالعمل الجماعى، والحماس، والشغف، كنت واحدًا من جيل ضم خالد صالح، وخالد الصاوى، ومحمد هنيدى، وهانى رمزى، وفتحى عبدالوهاب، وماجد الكدوانى، ونادر صلاح الدين، وأحمد عبدالله وغيرهم، كنا فريقًا حقيقيًا، ثم انطلق بعد ذلك إلى طريقه، لكننا احتفظنا بالشغف نفسه الذى عرفناه داخل المسرح الجامعى.

بعد حصولى على جائزة الدولة للإبداع فى الإخراج المسرحى، سافرت إلى روما، وأثناء عودتى، قرأت فى مجلة «آخر ساعة» حوارًا مع وزير الثقافة آنذاك، الفنان فاروق حسنى، يتحدث فيه عن إنشاء «مسرح الإبداع» وتعيين مدير له.

لفتنى الأمر بشدة، وما إن عدت إلى القاهرة حتى ذهبت إليه مباشرة، وقال لى: لدينا مسرح جديد بجوار مركز الهناجر، استغربت، لأننى كنت أعرف المكان جيدًا، ولم يكن هناك سوى مخزن قديم كانت تُحفظ فيه مواد البناء الخاصة بدار الأوبرا، وكنا ندخله أحيانًا لإجراء البروفات لأنه كان خاليًا.

قال لى: هذا هو المكان، ذهبت لأراه، فوجدته مبنيا من الطوب الأحمر، لا يزال تحت الإنشاء، ثم جلست مع المهندس حكيم عفيفى، الذى صمم المبنى، وكان قد وضع المسرح فى الطابق الثالث، والسينما فى الأول.

طلبت منه أن نعكس الأمر، لأن المسرح يحتاج إلى حركة مستمرة للديكورات والممثلين، ومن الأفضل أن يكون فى الطابق الأرضى، وافق، وبعدها وافق الأستاذ فاروق حسنى أيضًا، ونُفذ التعديل، وكان تصميم المسرح نفسه مستوحى من أحد المسارح التجريبية فى روما، بحيث يمنح حرية مختلفة فى علاقة الجمهور بالعرض.
 

ما المشروع الذى كنت تحلم بتقديمه داخل هذا المكان؟

سألنى الأستاذ فاروق حسنى: هل سيصبح مثل البيت الفنى للمسرح ينتج عروضًا؟ أم مثل مركز الهناجر يقدم ورشًا قصيرة؟
قلت له: لا هذا ولا ذاك، أحلم بمنحة مجانية تقدمها الدولة للشباب الموهوبين، نظر إلى باستغراب، فقلت له: الدولة أرسلتنا إلى روما، واستثمرت فينا، وعدنا جميعًا أكثر خبرة، كل من سافر عاد وحقق نجاحًا فى مجاله، سواء فى العمارة أو الموسيقى أو الفنون التشكيلية أو المسرح.

فى الأكاديمية المصرية بروما، كنا نحظى بكل الدعم، وكنا نزور المهرجانات والمعارض، ونتدرب مع كبار الفنانين، حتى إن طلاب الأكاديميات الأجنبية كانوا يتساءلون بدهشة: كيف توفر دولتكم كل هذا للمبدعين؟
لذلك قلت له: بتكلفة إنتاج عرض مسرحى واحد، يمكننا أن نرعى مئات الشباب فى التمثيل، والإخراج، والكتابة، وتصميم الديكور، وتصميم الأزياء، والإدارة المسرحية.

لكن الأهم من المكان هو المعلم، لا بد أن يكون الأستاذ مؤمنًا برسالته، ويعمل بإخلاص، لأن هؤلاء هم الذين يصنعون الأجيال.

حوار-المخرج-خالد-جلال-تصوير-محمد-نبيل-(8)

حوار المخرج خالد جلال

 

كيف انتقل الحلم من فكرة إلى مشروع حقيقى؟

 

طلب منى إعداد دراسة كاملة، فى الليلة نفسها، جلست مع الشاعر عماد عبدالمحسن، والكاتب عطية محرم، وأمضينا ساعات نضع تصورًا لكل شىء، البرامج الدراسية، والتكلفة، والأساتذة، وآليات التنفيذ، فى اليوم التالى، قدمت الدراسة كاملة، قرأها الأستاذ فاروق حسنى، ثم وقع عليها فورًا، وكتب كلمة واحدة..«يُنفذ».
ومن هنا بدأت الرحلة.. بدأنا الإعلان عن الدفعة الأولى، وبدأت المواهب تتدفق إلى المركز.
 

قبل كل ذلك.. كيف دخل خالد جلال عالم المسرح؟

فى الحقيقة، لم أخطط لذلك، كنت طالبًا فى كلية التجارة بجامعة القاهرة، بينما كانت ميولى الأدبية ترجع إلى أسرتى، والدى كان يكتب الشعر، وفى العائلة أسماء كبيرة، مثل أحمد شفيق كامل، وأحمد بهجت، والدكتور رشاد رشدى، والسيدة نتيلة راشد، وكلهم أثروا فى تكوينى منذ الصغر، أما المسرح، فقد دخل حياتى بالمصادفة، دعانى أحد أصدقائى إلى عرض مسرحى بكلية الحقوق، وقال لى: إن يوسف شاهين سيحضره، ذهبت بدافع الفضول، وشاهدت عرضًا بعنوان «المجانين»، وكان يشارك فيه خالد صالح، وخالد الصاوى، ومحمد هنيدى، وعمرو عبدالجليل، وآخرون.

انبهرت بما رأيته وبعد انتهاء العرض، شاهدت يوسف شاهين يختار بعض المشاركين للعمل معه، وخرجت من المسرح وأنا أسأل نفسى: هل يوجد فى كلية التجارة شىء يشبه هذا؟! ذهبنا نسأل، فقيل لنا: إن هناك مسرحًا داخل الكلية.

صعدت، وكانت البروفة مغلقة، لكننى بقيت فى آخر القاعة أتابع ما يحدث، وفجأة اكتشف المخرج المنفذ غياب أحد الممثلين، فنظر إلى وقال: «تعال… هل تمثل؟»، قلت: نعم، والحقيقة أننى لم أكن أعرف وقتها إن كنت أستطيع التمثيل أصلًا، صعدت إلى المسرح، وكانت تلك اللحظة بداية رحلة لم تنتهِ حتى اليوم.

بعد دخولك المسرح بالصدفة.. متى اكتشفت أن مستقبلك الحقيقى سيكون فى الإخراج؟

لم أفارق مسرح جامعة القاهرة يومًا واحدًا، كنت أصل فى الثامنة صباحًا، ولا أغادر قبل الثامنة مساءً، لم أرسب فى دراستى، لكن كل وقتى الحقيقى كان داخل المسرح.

فى البداية، كنت استمتع بالتمثيل، ثم حدثت نقطة التحول فى السنة الثالثة، تخرج الجيل الذى كان يقود الحركة المسرحية فى الكلية، وكان من بينهم نادر صلاح الدين، وياسر صادق، فأصبحت كلية التجارة مطالبة بالمشاركة فى المسابقة السنوية من دونهم، فقلت لزملائى: سأخرج العرض هذا العام.
كثيرون توقعوا أن نخسر، لأننا أصبحنا من دون الأسماء التى اعتاد الجميع عليها، لكننا قدمنا مسرحية «ناس فى هذا الخطأ»، بينما كان خالد الصاوى يقدم عرض «المزاد»، وفى النهاية تقاسمنا معظم الجوائز.
 

تحرص دائمًا على تخريج «فنان شامل» وليس ممثلًا فقط.. فما أهمية ذلك؟

بالتأكيد، كثيرون يظنون أننا نُعلِّم الطلاب التمثيل والغناء والإلقاء والاستعراض فقط، لكن الحقيقة أن هذه ليست سوى أدوات، أنا لا أُعلِّم الممثل كيف يتحدث فقط، أنا أُعلِّمه كيف يعيش، هناك فرق كبير بين أن تُخرج ممثلًا يحفظ دوره، وبين أن تُخرج فنانًا يعرف قيمة ما يقدمه، الفنان الواعى ستكون اختياراته مختلفة بعد ذلك، ولهذا السبب يتعلم طلابنا كل شىء، حتى ما لا يخص تخصصهم مباشرة، لأن المعرفة فى هذا المجال لا تضيع أبدًا.

حوار-المخرج-خالد-جلال-تصوير-محمد-نبيل-(36)

حوار المخرج خالد جلال

 

الأعمال التى تبدو بعيدة عن التمثيل تجعل الطلاب يشاركون فيها بأنفسهم.. لماذا؟

لأن المكان يصبح جزءًا منهم، أتذكر أن إحدى دفعات المركز جاءت بعد انتهاء مسابقة لمسرح الجامعات، وكان الطلاب الذين سبقونا قد ثبتوا أجزاء من الديكور بدبابيس معدنية كثيرة فى أرضية المسرح، قلت لطلابى: اليوم لن نتدرب على التمثيل، سننظف المسرح، وقضينا ساعات طويلة نخلع الدبابيس من الخشب والجدران وكل مكان يمكن أن يؤذى ممثلًا وهو يتحرك على الخشبة.

كنا 23 شخصًا نعمل معًا حتى انتهينا، قد يظن البعض أن هذا ليس تدريبًا، لكنه فى الحقيقة من أهم الدروس، عندما يشارك الفنان فى بناء المكان، يشعر بأنه مسؤول عنه، ويصبح انتماؤه إليه مختلفًا تمامًا، ولهذا عندما يصعدون إلى المسرح يتحركون عليه بثقة شديدة.

عروضك تضم عشرات الممثلين ومع ذلك نادرًا ما نرى تصادمًا أو ارتباكًا فوق الخشبة حتى فى الظلام.. كيف تحقق ذلك؟

لأنهم يعرفون المسرح كما يعرف الإنسان بيته، رامى إمام كان يسألنى دائمًا: كيف يتحرك 40 ممثلًا فى مساحة صغيرة، وفى ظلام كامل، من دون أن يصطدم أحدهم بالآخر؟ السر ليس فى الحفظ فقط، إنه فى كثرة التدريب، فى البداية كانت تحدث أخطاء ثم مع الوقت أصبحوا يتحركون فى الظلام كأنهم يرونه.
 

يشتهر عنك الانضباط الشديد.. لكنك تمنح الطلاب حرية كاملة أثناء البروفات.. كيف تحقق هذا التوازن؟

لدينا اجتماع بعد كل ليلة عرض، فى أثناء البروفات أفتح باب النقاش على مصراعيه، فكل ممثل من حقه أن يقترح، وأن يعترض، وأن يناقش، وأن يدافع عن فكرته، لكن بمجرد أن نتفق على الشكل النهائى للعرض، ينتهى النقاش، من تلك اللحظة لا يسمح لأحد أن يغيّر كلمة واحدة أمام الجمهور، ليس لأننى أرفض الارتجال، وإنما لأن المسرح مسؤولية، قد يقول الممثل جملة يراها مضحكة، بينما تجرح شخصًا آخر أو تسىء إلى فئة من الناس، الفنان لا بد أن يكون واعيًا للكلمة التى يقولها، ولهذا لا أسمح بالخروج عن النص بعد الاتفاق عليه.
 

هل حدث أن اضطررت إلى استبعاد أحد بسبب عدم الالتزام؟

طبعًا، الالتزام عندى ليس أقل أهمية من الموهبة، الإنذار الأول للتنبيه، والثانى للتحذير أما إذا تكرر الأمر، فلا يكمل معنا، قد أضطر إلى حذف مشهد كامل إذا اقتضى الأمر، لأننى أؤمن بأن الموهوب غير الملتزم لا يفيد العمل، فالموهبة وحدها لا تكفى.

يلاحظ الجميع أن خريجى مركز الإبداع حتى بعد أن يصبحوا نجومًا يحرصون على البقاء على تواصل معك، ويعتبرونك جزءًا من حياتهم.. ما سر هذه العلاقة؟


الذى بينى وبينهم ليس الفن فقط، هؤلاء أولادى، بالمعنى الحقيقى للكلمة، والعلاقة التى تجمعنا هى علاقة حياة كاملة، وليست علاقة أستاذ بطلابه، أشعر بمسؤولية تجاههم، ولذلك أكون موجودًا فى أهم محطات حياتهم، فى الزواج، والإنجاب، وكل المناسبات المهمة، قد أكون قاسيًا جدًا أثناء التدريب، لكنهم يعرفون أن هذه القسوة لم تكن يومًا ضدهم، بل من أجلهم.

لقد تعلموا فى المركز أن الالتزام لا يقل أهمية عن الموهبة، الموهوب غير الملتزم لا يفيد العمل، لأن الفنان عندما يخرج إلى الحياة المهنية لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل المكان الذى تعلم فيه، أنا لا أقبل التأخير دون سبب، ولا أقبل الغياب، ولا أقبل تجاوز حدود الاحترام داخل العمل، لأن الفنان الحقيقى لا يصنعه الموهبة وحدها، وإنما يصنعه الانضباط أيضًا.
 

يبدو أنك لا تنفصل عن طلابك حتى بعد تخرجهم؟

هذا صحيح، أنا أحفظ أسماءهم جميعًا، لأنهم عاشوا معى سنوات طويلة، وربما قضوا معى وقتًا أكثر مما قضوه مع أسرهم، خلال 25 عامًا شهدت زواج عدد كبير منهم، وكنت شاهدًا على عقود زواج كثيرين، مثل محمد على رزق، وأمجد الحاج، وغيرهما، وحتى اليوم، فى كل شهر رمضان، تحرص كل دفعة على الاجتماع داخل مركز الإبداع للإفطار معًا.. الدفعة الأولى تخرجت منذ سنوات طويلة، ومع ذلك يعودوا إلى المكان، لأن العلاقة لم تنتهِ بالتخرج.
 

بعد كل هذه السنوات.. هل ما زلت ترى أن مصر قادرة على إنجاب أجيال جديدة من الموهوبين؟

بكل تأكيد، أنا أمتحن فى كل دفعة نحو 4 آلاف متقدم، ويستغرق الأمر ثلاثة أو أربعة أشهر حتى أصل إلى أفضل العناصر، المشكلة ليست فى وجود الموهبة، وإنما فى الطاقة الاستيعابية للمكان، نحن نقبل نحو مائتى طالب فقط، بينما يوجد مئات آخرون يستحقون الفرصة أيضًا، لذلك أقول دائمًا: إن مصر لا يمكن أن ينضب عطاؤها، هى بلد ولّادة، وكل يوم تثبت أنها قادرة على تقديم مواهب جديدة.
 

فى النهاية.. ماذا تتمنى لمركز الإبداع بعد مرور ربع قرن على تأسيسه؟

أتمنى أن يظل هذا المكان قادرًا على اكتشاف الموهوبين الحقيقيين، وأن يجتمع فيه كل الخريجين بعد مرور 25 عاما على إنشائه فى صورة واحدة، كما أتمنى أن يظل المركز يقدم عروضًا جديدة، لأن هذا يعنى أن المركز ما زال قادرًا على توليد المواهب.

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً