لم تكن أحداث 30 من يونيو 2013 مجرد تحول سياسي أنهى عامًا من حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، بل مثلت بداية مرحلة أمنية بالغة التعقيد، دخلت خلالها الدولة المصرية مواجهة مفتوحة مع موجة من أعمال العنف والعمليات الإرهابية امتدت لسنوات، واستهدفت قوات الجيش والشرطة والمنشآت العامة ودور العبادة، وسط اتهامات رسمية لجماعة الإخوان الارهابية بالتحريض على العنف، بينما نفت الجماعة تلك الاتهامات.
وبين مشهد الملايين التي خرجت إلى الشوارع مطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، واعتصامين استمرا لأسابيع في رابعة العدوية والنهضة، تصاعدت الأحداث بوتيرة متسارعة، لتفتح واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصري الحديث إثارة للجدل.
عام من الحكم… وانقسام متزايد
مع تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية في يونيو 2012، دخلت البلاد مرحلة اتسمت باستقطاب سياسي حاد. واتهمت قوى سياسية ومدنية جماعة الإخوان بالسعي إلى إحكام سيطرتها على مؤسسات الدولة، بينما أكدت الجماعة أنها تمارس حقها في تنفيذ برنامجها الانتخابي.
ومع تزايد الاحتجاجات واتساع رقعة المعارضة، بدأت الدعوات للتظاهر في 30 يونيو، مطالبة بإنهاء حكم مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
خطاب «الشرعية»… اللحظات الأخيرة
قبل أيام من المظاهرات، ألقى مرسي خطابًا أكد فيه تمسكه بالشرعية الدستورية ورفضه الاستجابة لمطالب التنحي، محذرًا من تداعيات المسار الذي كانت تتجه إليه البلاد.
غير أن الخطاب لم ينجح في احتواء الأزمة، إذ خرجت حشود كبيرة في مختلف المحافظات، لتعلن القوات المسلحة في 3 يوليو 2013 عزل مرسي، استنادًا إلى ما وصفته بانحيازها لإرادة الشعب.
اعتصامان في قلب الأزمة
تحول ميدانا رابعة العدوية والنهضة إلى مركزين رئيسيين لاعتصامات أنصار الرئيس المعزول، حيث ألقيت خطابات متكررة لعدد من قيادات الجماعة وحلفائها، من بينهم محمد بديع، وصفوت حجازي، ومحمد البلتاجي، وطارق الزمر.
ورأت السلطات أن بعض تلك التصريحات حملت رسائل تحريضية وتصعيدية، بينما أكد المعتصمون أنهم يمارسون حقهم في الاحتجاج السلمي، وهو ما جعل الاعتصامين محورًا رئيسيًا للأزمة السياسية والأمنية.
من الاحتجاج إلى المواجهات
بمرور الوقت، امتدت الاشتباكات إلى عدد من المحافظات، وشهدت مناطق مثل بين السرايات مواجهات دامية بين مؤيدين ومعارضين للرئيس المعزول، أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين.
وفي الإسكندرية، أثارت واقعة إلقاء أشخاص من أعلى أحد العقارات في منطقة سيدي جابر خلال اشتباكات بين أطراف متنازعة صدمة واسعة، بعدما وثقتها مقاطع مصورة انتشرت على نطاق واسع.
وفي الوقت ذاته، شهد محيط الحرس الجمهوري مواجهات بين قوات الأمن وعدد من أنصار مرسي، بعد دعوات للتوجه إلى المنطقة اعتقادًا بوجود الرئيس المعزول داخلها.
سيناء… تصاعد العمليات الإرهابية
بالتوازي مع الأزمة السياسية، تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في شمال سيناء، حيث استهدفت الهجمات الكمائن الأمنية، وأقسام الشرطة، وخطوط الغاز، ومنشآت حيوية أخرى.
واستندت السلطات إلى تصريحات منسوبة لمحمد البلتاجي، ربط فيها توقف العنف في سيناء بعودة مرسي إلى السلطة، باعتبارها أحد الأدلة التي استشهدت بها في التحقيقات، بينما رفضت الجماعة تلك الاتهامات، ونفت أي صلة لها بالعمليات المسلحة.
تفويض شعبي وتحرك أمني
في 24 يوليو 2013، دعا وزير الدفاع آنذاك،” عبد الفتاح السيسي”، المصريين إلى النزول لمنحه تفويضًا لمواجهة الإرهاب والعنف المحتمل.
وبعد يومين، خرجت حشود كبيرة في ميادين عدة، في مشهد اعتبرته الدولة دعمًا شعبيًا لاتخاذ إجراءات أمنية ضد الجماعات المسلحة.
فض رابعة والنهضة… نقطة فاصلة
في 14 أغسطس 2013، نفذت قوات الأمن عملية فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وهي العملية التي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع اختلاف التقديرات بين الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية.
وأعقب الفض موجة من أعمال العنف في عدد من المحافظات، شملت الهجوم على أقسام الشرطة والمنشآت الحكومية، وكان من أبرزها الهجوم على قسم شرطة كرداسة، الذي أسفر عن مقتل عدد من رجال الشرطة.
كما تعرضت عشرات الكنائس والمنشآت التابعة لها لأعمال حرق وتخريب في محافظات مختلفة، في هجمات أدانتها مؤسسات الدولة والكنائس المصرية.
سنوات من المواجهة
خلال السنوات التالية، كثفت القوات المسلحة ووزارة الداخلية عملياتهما ضد التنظيمات المسلحة، خاصة في شمال سيناء، معلنتين تنفيذ مئات المداهمات، وضبط أسلحة ومتفجرات، والقضاء على عناصر مصنفة إرهابية.
وفي المقابل، شهدت المحاكم المصرية سلسلة من القضايا المتعلقة بأحداث العنف والإرهاب، انتهت بإصدار أحكام بحق عدد من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان وآخرين، بينما استمرت المنظمات الحقوقية في إبداء ملاحظاتها بشأن بعض الإجراءات، وهو ما رفضته السلطات مؤكدة أن جميع الإجراءات تمت وفقًا للقانون.
المشهد بعد أكثر من عقد
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على تلك الأحداث، لا تزال تداعياتها حاضرة في المشهد المصري، سواء على المستوى السياسي أو الأمني. وبين روايات متباينة حول تفاصيل المرحلة، يبقى الثابت أن مصر شهدت واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخها الحديث، وأن مواجهة الإرهاب أصبحت أحد أبرز ملفات الدولة خلال العقد الأخير، مع استمرار الجهود الأمنية والقانونية لمنع عودة العنف وحماية مؤسسات الدولة والمجتمع.