ذكرى رحيل عمر الشريف.. مفارقات حياة لورانس العرب.. اعترف بسرقة شقيقته واتهم بالاستيلاء على سيارة..خضع للحجر الصحى فى شهر العسل والمحكمة حجزت على ملابسه..بدأ طريق الفن من جروبى وانطلق للعالمية بدلا من رشدى أباظة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فى مثل هذا اليوم الموافق 10 يوليو من عام 2015 رحل عن عالمنا الفنان العالمى عمر الشريف، لكن اسمه لم يغب يومًا عن ذاكرة الفن، ولم تتوقف الحكايات التى تُروى عنه، بعد أن ترك سيرة مليئة بالفن والحب والنجاح والمغامرات والمفارقات، فالنجم الذى بدأ مشواره من القاهرة، وانطلق إلى هوليوود ليصبح واحدًا من أشهر الوجوه فى السينما العالمية، لم تكن حياته مجرد رحلة نجاح لفنان موهوب، وإنما كانت سيرة إنسانية استثنائية، امتزجت فيها الشهرة بالصدف، والمجد بالمفارقات، والانتصارات بالمواقف التى تبدو وكأنها مشاهد سينمائية.


ففى حياة عمر الشريف وقائع ومواقف وصفات يصعب أن تجتمع فى حياة شخص واحد؛ شاب دخل الفن مصادفة، وأصبح بطلاً من أول فيلم، وعاش قصة من أجمل قصص الحب التى جمعت بين ثنائى فنى، وغير اسمه وديانته، واعترف بأخطاء ارتكبها يصعب على غيره الاعتراف بها، وتعرض لمواقف دفعت به إلى أقسام الشرطة مرة متهمًا بسرقة سيارة، ومرة بقرار بالحجز على ملابسه، كما كان أول فنان يخضع لإجراءات الحجر الصحى بعد عودته من شهر العسل، قبل أن تفتح له الصدفة أبواب العالمية ليصبح أحد أهم نجوم السينما فى العالم.


وفى ذكرى رحيله، نعيد قراءة هذه المفارقات، ليس لأنها مجرد طرائف فى حياة فنان كبير، وإنما لأنها تكشف الوجه الإنسانى لعمر الشريف، الذى صنع مجده بحياته الاستثنائية وليس بموهبته وحدها، وتؤكد أن وراء النجم الذى أبهر العالم، إنسانًا عاش حياة لا تقل إثارة وتشويقًا عن الأفلام التى صنعت مجده، وظلت حتى اليوم واحدة من أكثر السير الفنية ثراءً ودهشة.

 

بداية طريق المجد والحب

ولعل أولى هذه المفارقات أن عمر الشريف لم يكن اسمه عمر، ولم يكن يخطط أصلًا لأن يصبح ممثلًا، فقد ولد فى الإسكندرية يوم 10 أبريل عام 1932 باسم ميشيل ديمترى شلهوب لأسرة مسيحية كاثوليكية، وكان والده من كبار تجار الأخشاب، وتلقى تعليمه فى كلية فيكتوريا، التى خرج منها عدد كبير من الشخصيات العامة والفنانين.

وفى عدد نادر من مجلة الكواكب صدر فى أغسطس عام 1954، روت المجلة كيف قادت الصدفة هذا الشاب إلى عالم الفن، بعدما ظل المخرج يوسف شاهين يبحث لمدة ستة أشهر عن وجه جديد يجسد شخصية البطل فى فيلم «صراع فى الوادى»، دون أن يعثر على الممثل الذى رسمه فى خياله، وفى أحد الأيام، وبينما كان يجلس فى مقهى «جروبى»، دخل ميشيل شلهوب صدفة، وما إن رآه شاهين حتى وجد فيه البطل الذى كان يبحث عنه، ليمنحه بطولة الفيلم أمام فاتن حمامة، فى واحدة من أقوى البدايات فى تاريخ السينما المصرية.

ولم تكتف «الكواكب» بسرد حكاية اكتشافه، بل زارت الفنان الشاب داخل منزله، وقدمت للجمهور أول حوار صحفى معه، ونشرت صورًا نادرة له وهو يمارس الرياضة، ويقف وسط الكئوس التى حصل عليها فى البطولات المدرسية، ويتفحص كاميرته الخاصة، ويختار ملابسه، وكشفت عن عشقه للموسيقى والتصوير والسباحة، بل أشارت إلى هواية طريفة لم يكن يعرفها كثيرون، وهى قراءة الطالع بأوراق الكوتشينة، حتى علقت المجلة بأنه يفعل ذلك «مثل غجرية ماهرة».
وكان نجاح «صراع فى الوادى» بداية مفارقة أخرى غيرت حياته بالكامل، فلم يربح البطولة فقط، وإنما ربح أيضًا قلب فاتن حمامة، لتبدأ واحدة من أشهر قصص الحب فى تاريخ الفن.

وتحولت قصة الحب إلى زواج عام 1955، بعدما أشهر ميشيل شلهوب إسلامه قبل عقد القران بيوم واحد، واختار اسم «عمر الشريف المهدى»، وفى عدد 15 مايو 1955، نشرت مجلة الكواكب تفاصيل حفل الزفاف الذى أقيم فى منزل أسرة فاتن حمامة، وأشارت إلى أن والدها كان وكيلها فى عقد الزواج، بينما كان المخرجان صلاح أبو سيف وفطين عبد الوهاب شاهدين على العقد، وحضر يوسف شاهين الاحتفال، كما كشفت المجلة أن العريس قدم لعروسه هدية ذهبية، وحدد مؤخر الصداق بمبلغ ألفى جنيه، وهو رقم كبير فى ذلك الوقت، فى حين كان من المشاهد اللافتة أن المخرج عز الدين ذو الفقار، زوج فاتن السابق، حرص على تهنئة العروسين قبل عقد القران، متمنيًا لهما حياة سعيدة.

 

اعتراف بالسرقة ومفارقات أقسام الشرطة

لكن أكثر ما يميز شخصية عمر الشريف أنه لم يكن يخشى الاعتراف بأخطائه، وهو ما ظهر فى واحد من أجرأ الاعترافات التى نشرها فنان عن نفسه؛ ففى عام 1956 نشرت مجلة الكواكب ضمن باب «اعترافات النجوم» مقالًا نادرًا بقلم عمر الشريف حمل عنوان «سرقت لأدفع حساب الشلة»، كشف فيه عن واقعة حدثت له فى سنوات الدراسة، مؤكدًا أنه لم ينسها أبدًا لأنها كانت درسًا قاسيًا فى حياته.

وروى الفنان العالمى أنه كان طالبًا بكلية فيكتوريا وعضوًا فى نادى المعادى الرياضى، وكان يخرج مع شلة كبيرة تضم نحو عشرين صديقًا وصديقة، من بينهم الفنان أحمد رمزى، وأراد فى إحدى السهرات أن يبدو كريمًا أمام الجميع وأن ينافس صديقه فى «الفنجرة»، فعزم الشلة كلها على سهرة فى «روف سميراميس»، مؤكدًا أنه سيتحمل حسابها بالكامل.

لكن المفاجأة جاءت عندما انتهت السهرة، ووضع يده فى جيبه ليكتشف أن المبلغ الذى يحمله لا يكفى حتى لشراء علبة سجائر، فهمس فى أذن أحمد رمزى يسأله إن كان يحمل نقودًا، فجاءه الرد: «ولا مليم». ولم يجد أمامه إلا أن يتحجج بإجراء مكالمة هاتفية، ثم يجرى إلى منزله فى قصر الدوبارة، حيث تسلل إلى غرفة شقيقته وأخذ حصالتها، وعاد بما فيها من قروش وشلنات وتعريفات، ودفع الحساب وسط دهشة أصدقائه، الذين لم يشعر أحد منهم بالأزمة التى مر بها.

وفى صباح اليوم التالى اكتشفت شقيقته اختفاء الحصالة، ولم يطل البحث عن السارق، بعدما وجدت بقايا النقود فى غرفته، فأخبرت والدته، التى أعادت إليها نقودها، بينما عاقبت عمر الشريف بحرمانه من مصروفه شهرين كاملين، وبعد سنوات، لم يتردد الفنان العالمى فى نشر هذه القصة بنفسه، مختتمًا اعترافه بقوله إنه «تاب عن الفنجرة الكدابة».

ولم تكن هذه هى المرة الوحيدة التى وجد فيها نفسه فى موقف غريب، فقد روى أيضًا أنه قضى إحدى ليالى رأس السنة داخل قسم الشرطة، بعدما حاول الدفاع عن الذوق العام.

ففى أحد احتفالات رأس السنة بأحد الملاهى الليلية، لاحظ عمر مجموعة من الشباب يتصرفون بطريقة اعتبرها مسيئة أمام الأجانب الموجودين بالمكان، فتقدم لينصحهم بالكف عن هذه التصرفات، لكن أحدهم حاول الاعتداء عليه، فدارت مشاجرة انتهت بتدخل الشرطة واصطحاب الجميع إلى القسم.

وأوضح عمر الشريف أن التحقيقات وشهادات الموجودين أثبتت أنه لم يبدأ الاعتداء، وأنه كان يحاول فقط إيقاف المشاجرة، إلا أن تلك الليلة ظلت عالقة فى ذاكرته باعتبارها أغرب ليلة رأس سنة قضاها، بعدما انتهت داخل قسم الشرطة بدلًا من الاحتفال.

ولم تمر سنوات حتى وجد نفسه داخل القسم مرة أخرى، لكن هذه المرة بتهمة لا تخطر على بال، وهى سرقة سيارة؛ ففى حوار نشرته مجلة الكواكب عام 1958، روت فاتن حمامة تفاصيل الواقعة، وقالت إنها خرجت مع زوجها عمر الشريف  فى نزهة بسيارتهما، وفجأة أوقفهما أحد رجال المرور وهو يصرخ فى عمر الشريف: «وقف عندك… العربية دى مسروقة».

ورغم محاولات الفنان الكبير إقناع رجل المرور بأن السيارة ملكه، فإن الأخير أصر على اصطحابه إلى قسم الشرطة، بينما ظلت فاتن حمامة جالسة داخل السيارة تحت الحراسة، خوفًا من تحركها بها.

وبعد ساعات حضر الضابط النوبتجى، وما إن رأى عمر الشريف حتى اكتشف أن الأمر كله لا يعدو كونه تشابهًا بين بيانات سيارته وبيانات سيارة أخرى مُبلغ بسرقتها، فاعتذر له، وأُغلق المحضر، وانتهت واحدة من أغرب الوقائع التى تعرض لها فنان فى ذلك الوقت.

 

الحجز على ملابس النجم العالمى

ولم تكد تمر هذه الأزمة حتى تعرض لموقف أكثر غرابة، عندما فوجئت فاتن حمامة، أثناء سفر زوجها إلى المغرب لتصوير أحد أعماله، بمحضر من المحكمة يطرق باب المنزل لتنفيذ قرار بالحجز على بدل وملابس عمر الشريف تمهيدًا لبيعها فى مزاد علنى.

وفى البداية ظنت فاتن حمامة أن هناك خطأ فى الاسم أو العنوان، لكن المحضر أكد أن القرار صادر بالفعل ضد الفنان العالمى، تنفيذًا لحكم حصل عليه شخص يدعى عبد العزيز، ادعى أنه كان يعمل سكرتيرًا خاصًا لعمر الشريف، وطالب برواتب متأخرة وتعويض عن فصله.

وبعد عودته من السفر، تذكر عمر الشريف أن هذا الشاب لم يكن سكرتيرًا خاصًا، وإنما كان يساعده أحيانًا داخل الاستديو فى حمل الملابس وإحضار الطعام، وطلب منه يومًا التوقيع على أوراق لاستخراج بطاقة شخصية، كتب فيها أنه يعمل سكرتيرًا لديه، فوقع الفنان بحسن نية لمساعدته.

وأمام المحكمة، أوضح دفاع عمر الشريف حقيقة العلاقة بين الطرفين، وأثبت أن الشاب لم يكن يعمل لديه بصفة منتظمة، فقضت المحكمة بإلغاء الحجز، لتنتهى القضية التى كادت تؤدى إلى بيع ملابس أحد أكبر نجوم السينما فى مزاد علنى.

 

أول فنان يخضع للحجر الصحى

ومن المفارقات التى لا يعرفها كثيرون أيضًا، أن عمر الشريف كان من أوائل الفنانين الذين طالبهم مسئولو المطار بالخضوع لإجراءات الحجر الصحى؛ فبعد زواجه من فاتن حمامة، سافر العروسان لقضاء شهر العسل فى باريس، ثم توجها إلى روما قبل العودة إلى القاهرة، وبحسب ما نشرته مجلة الكواكب، فوجئ العروسان فى مطار القاهرة بطبيب الحجر الصحى يطالبهما بالحصول على تطعيم ضد مرض الجدرى، أو البقاء أربعة عشر يومًا فى الحجر الصحى، بسبب انتشار المرض فى فرنسا آنذاك.

ورغم أن فاتن حمامة أوضحت للطبيب أنهما أمضيا عدة أيام فى روما، ولم تطلب منهما السلطات الإيطالية أى إجراءات، فإنه أكد أنه ينفذ التعليمات المصرية، ولم يكن أمام العروسين سوى الحصول على التطعيم حتى يغادرا المطار.

صدفة دفعته للعالمية

وإذا كانت الصدفة قادت عمر الشريف إلى أول بطولة فى حياته، فإنها لعبت دورًا آيضاً فى انتقاله إلى العالمية؛ فبحسب ما نشره الكاتب الصحفى محمد بديع سربية فى مجلة الموعد، فإن المخرج العالمى ديفيد لين كان يرغب فى التعاقد مع رشدى أباظة للمشاركة فى بطولة فيلم «لورانس العرب»، وأرسل مندوبًا إلى القاهرة لإتمام الاتفاق، لكن رشدى أباظة لم يحضر الموعد المحدد، فبدأ البحث عن بديل، ليقع الاختيار فى النهاية على عمر الشريف، الذى قدم الدور ببراعة، وانطلقت بعده مسيرته العالمية.

ورغم أن هذه الرواية ظلت من أشهر الحكايات التى ارتبطت ببداية مشواره العالمى، فإن المؤكد أن «لورانس العرب» كان نقطة التحول الأهم فى حياته، وأن الفيلم فتح أمامه أبواب السينما العالمية، ليصبح أحد أشهر الفنانين العرب على الإطلاق.

 

ذكريات الحب الضائع

وعلى الرغم من كل هذا المجد، ظل عمر الشريف يعتبر أن أعظم ما كسبه فى حياته كان حبه لفاتن حمامة، وأكبر ما خسره كان ابتعاده عنها، فقد أنهت العالمية زواجهما، لكنها لم تؤثر على  مشاعره تجاهها، وظل يردد فى لقاءاته حتى سنواته الأخيرة أنها كانت المرأة الوحيدة التى أحبها، وأنه لم يعرف حبًا حقيقيًا بعدها،
وربما كانت المفارقة الأخيرة فى حياة عمر الشريف أن الرجل الذى عرفه العالم بذكائه وثقافته وإجادته عدة لغات، انتهى به المطاف مصابًا بمرض الزهايمر، الذى سرق منه كثيرًا من ذكرياته، قبل أن يرحل فى 10 يوليو 2015، بعد رحلة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن.

وبعد سنوات على رحيله، لا يزال عمر الشريف حاضرًا، ليس فقط بأفلامه التى صنعت مجده، وإنما أيضًا بسيرته الإنسانية التى تؤكد أن حياة الكبار لا تُقاس بعدد الجوائز أو الأفلام وحدها، بل بما تحمله من حكايات ومواقف وتجارب، وبين الصدف التى صنعت نجوميته، والاعترافات التى كشف بها عن نفسه، والمفارقات التى لاحقته حتى آخر أيامه، يبقى عمر الشريف واحدًا من أكثر الفنانين الذين عاشوا حياة تشبه الروايات… وربما لهذا السبب، سيظل اسمه حاضرًا فى ذاكرة الفن، كما لو أنه لم يرحل أبدًا.
 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً