بين ألم المرض وقسوة الانتظار، تعيش الفلسطينية فاتن يونس أياما ثقيلة في غزة، بعدما وجدت نفسها عالقة بين جدران الحصار واحتياجها العاجل للعلاج، ثلاث سنوات كاملة مرت وهي تنتظر فرصة للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج، بينما كان المرض لا ينتظر، يواصل انتشاره داخل جسدها يوما بعد آخر.
فاتن، الأم لأربعة أطفال، لم تكن تخوض معركة مع السرطان فقط، بل كانت تواجه أيضا معركة الوصول إلى العلاج، كل يوم يمر عليها يحمل معه خوفا جديدا، وكل تأخير يعني تراجعا إضافيا في حالتها الصحية، في وقت تتقلص فيه الخيارات وتزداد معاناتها أمام أعين أطفالها الذين لا يملكون سوى والدتهم سندا وحيدا لهم.
منذ إصابتها بالمرض، أصبحت رحلة العلاج حلما مؤجلا، انتظرت طويلا أن تُفتح أمامها أبواب السفر، وتحصل على فرصة لمواجهة السرطان بالأدوية والرعاية المتخصصة، لكن سنوات الانتظار كانت أقسى من قدرتها على الاحتمال، وبينما كانت تنتظر الموافقة والطريق الآمن للخروج، كان المرض يتقدم بصمت، حتى أصبح أكثر شراسة وانتشارا في جسد أنهكه الألم.

المريضة فاتن يونس
التمسك بالأمل
داخل منزلها في غزة، تحاول فاتن أن تتمسك بالأمل رغم التعب، وتخفي عن أطفالها حجم المعاناة التي تعيشها، تراهم أمامها وهم يحتاجون إلى أمهم، إلى حضورها وحنانها، بينما تخشى هي أن يحرمهم المرض منها إذا استمر إغلاق أبواب العلاج، حيث لا تخشى الألم وحده، بل تخشى المصير الذي قد يترك أطفالها الأربعة بلا أم، فخلف معركتها مع السرطان قصة عائلة تنتظر نجاة، وأطفال يتعلقون بأمل أن تستعيد والدتهم صحتها وتعود إلى دورها بينهم.
في القطاع، حيث تتعقد ظروف العلاج وتزداد صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية، تصبح رحلة المرضى رحلة أخرى من المعاناة، انتظار طويل، وإمكانات محدودة، وأجساد تحتاج إلى وقت لا تملكه، بالنسبة لفاتن، لم يعد العلاج مجرد إجراء طبي، بل أصبح سباقا مع الزمن.
اليوم، تقف فاتن يونس أمام أصعب مراحل حياتها، تحمل وجعها وتحاول التشبث بالأمل من أجل أطفالها، قصتها ليست فقط قصة مريضة بالسرطان، بل قصة أم تخوض معركة يومية للبقاء، وتنتظر أن يُمنح لها حقها في العلاج قبل أن يصبح الانتظار خسارة لا يمكن تعويضها.
لا تتركوني للموت
“إن معاناتي لا تتوقف عند مرضي، بل تمتد إلى عائلتي بأكملها، فقد أصبحت فجأة المسؤولة الوحيدة عن إعالة أطفالي الأربعة ورعاية زوجي المقعد، بعد أن فقد القدرة على الحركة جراء ما تعرض له من تعذيب وتنكيل شديد أثناء أسره لدى قوات الاحتلال، واليوم، بعدما تفشى السرطان في جسدي، أصبحت عاجزة حتى عن خدمة نفسي”
بهذه الكلمات تختصر الفلسطينية فاتن يونس فصولا قاسية من معاناة لا تواجه فيها المرض وحده، بل تواجه انهيار الظروف من حولها في ظل واقع إنساني صعب تعيشه داخل القطاع .
تحويل طبي
وتقول : “لدي تحويلة طبية “نموذج 1″ جاهزة ومستوفية للشروط، وطرقت بها كل الأبواب، ولكن للأسف الشديد لم أجد أي استجابة حتى الآن، وكأن حياتي وحياة عائلتي لا قيمة لها”.
لم تكن رحلة فاتن مع المرض مجرد معركة شخصية، فخلف ألمها جسد أنهكه السرطان، وعائلة تعتمد عليها بالكامل، فزوجهالم يعد قادراً على الحركة بعد ما تعرض له خلال فترة أسره، لتجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة، أما لأطفالها، ومقدمة للرعاية لزوجها، ومقاتلة من أجل البقاء، لكن المرض حاصرها من جهة أخرى، بعدما فقدت القدرة على القيام بأبسط احتياجاتها اليومية.
وتقول إن أكثر ما يؤلمها ليس الألم الذي تشعر به، بل خوفها من أن يترك مرضها أطفالها الأربعة بلا أم، بعد أن فقدت الأسرة سندها الأول.
وتناشد فاتن الجهات المعنية التدخل العاجل لإنقاذ حياتها، قائلة: “أناشد بالتدخل الفوري والعاجل لتسهيل سفري عبر المعابر لتلقي العلاج، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والنظر بعين الرحمة إلى عائلتي التي فقدت معيلها الأول، الزوج، وأصبحت مهددة الآن بفقداني”.
وتضيف : “الوقت لم يعد في صالحي، والسرطان ينهش جسدي في كل ثانية تمر دون علاج، أرجوكم لا تتركوني للموت، وكونوا صوتا لي ولأطفالي”.
تختصر قصة فاتن يونس مأساة آلاف المرضى الذين تتضاعف معاناتهم حين يصبح الوصول إلى العلاج رحلة شاقة، فهي لا تطلب سوى فرصة للعلاج والعودة إلى أطفالها، بعدما باتت حياتها معلقة بين ألم المرض وانتظار باب قد يُفتح قبل فوات الأوان.