كيف أوقف بيليه حرباً أهلية حصدت مليون شخص؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ألاعيب السياسة.. وأسرار كأس العالم «3-3»

6 يوليو 2026 23:11 مساء
|

آخر تحديث:
6 يوليو 23:24 2026


icon


الخلاصة


icon

كرة القدم أداة سياسية: بيليه أوقف حرب نيجيريا، سقراط دعم الديمقراطية، فوكلاند غذّت خصومة، والحرب الباردة والتصويت للمونديال أثّرا

على مدار عقود طويلة أثبتت كرة القدم أنها هي الإمبراطورية الوحيدة في العالم التي لا تحتاج إلى سلاح كي تستحوذ على عقول وقلوب العالم، وسر سحرها وقوتها يكمن في بساطتها، ولطالما أحب الإنسان منذ آلاف السنين ركل الأجسام المدورة واللحاق بها، حتى جاءت فكرة الساحرة المستديرة التي سحرت العالم على يد الإنجليز عام 1863

هناك اتفاق على أن مونديال كأس العالم لكرة القدم هو المسرح الذي تعرض عليه الدول أفضل ما لديها أمام العالم، لأن كرة القدم ليست مجرد رياضة، إنها جزء من حياة الناس، كما أن اللاعبين الذين أثبتوا نبوغهم الكروي في كأس العالم كان لهم دور سياسي غير مسبوق، حيث نجحت زيارة اللاعب البرازيلي بيليه إلى نيجيريا في وقف الحرب الأهلية بين الحكومة والانفصاليين، بينما زميله سقراط أسس في البرازيل وأمريكا الجنوبية ما يسمى ب«الديمقراطية الكورينثيانزية» كما كانت «الحرب الباردة» دافعاً قوياً لتوظيف كأس العالم ك«أداه سياسية» في الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي، وامتد هذا إلى ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، حيث عارضت الولايات المتحدة والدول الغربية منح روسيا حق تنظيم كأس العالم عام 2018 بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، ولم يحضر أحد من «العائلة الملكية البريطانية» أي مباراة من المباريات السبع للمنتخب الإنجليزي الذي حصل على المركز الرابع في مونديال روسيا 2018، لأن الدول الغربية كانت ترى في استضافة روسيا لفاعليات مونديال 2018 بمنزلة دعم سياسي واقتصادي للرئيس الروسي فلاديمير بوتن، ودعم للسردية الروسية التي كان الكرملين حريص عليها، وهي أن روسيا عادت من جديد بعد كل ما جرى من تفكك للاتحاد السوفييتي السابق في 25 ديسمبر 1991، والأكثر من كل ذلك أن روسيا كانت تنظر إلى مشاركة 32 فريقاً من العالم وملايين السائحين باعتبارها أفضل وسيلة لتغيير نظرة العالم السياسية عن روسيا الجديدة، فكيف نجح بيليه في وقف الحرب الأهلية في نيجيريا؟ وماذا عن «ديمقراطية كورينثيانز» التي أسسها سقراط في البرازيل؟ وما هو المدى الذي وصل إليه الصراع حول كأس العالم بين المعسكرين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة؟ ولماذا اعتبر الملايين من الشعب الأرجنتيني أهداف مارادونا في مرمى إنجلترا بمنزلة انتصار لهم في «حرب فوكلاند»؟

بيليه يوقف الحرب الأهلية

يعرف عن كرة القدم أنها مصدر لسعادة الملايين حول العالم، سواء من يمارسونها أو يشاهدونها، لكن قبل عام 1969 لم يكن أحد يتصور أن كرة القدم يمكن أن توقف الحروب وتنقذ الأرواح، لكن هذا ما حدث، حيث كانت تعاني نيجيريا حرباً أهلية بسبب إعلان إقليم «بيافرا» الانفصال عن البلاد منذ عام 1967، وعجزت الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية «الاتحاد الإفريقي الحالي» عن وقف هذه الحرب التي حصدت أكثر من مليون شخص، إضافة إلى حالة شديدة من الدمار والانهيار الاقتصادي، وكان فريق سانتوس الذي يقوده النجم بيليه يقوم بجولة سنوياً حول العالم، وفي عام 1969 قرر أن تكون الجولة في إفريقيا، ورغبت نيجيريا في أن تشملها هذه الجولة لرغبة الجماهير في رؤية الساحر بيليه، لكن الحرب الأهلية وتفاعلاتها اليومية ألقت بظلالها على قرار بيليه وسانتوس، وفي نهاية المطاف قبلت الحكومة والانفصاليين وقف إطلاق النار لأول مرة من أجل مشاهدة بيليه وهو يحرز الأهداف ويرقص السامبا، وبالفعل جرت المباراة يوم 4 فبراير 1969، وفاز فيها سانتوس 2-1 على فريق أوجيبي ستايرز النيجيري، وأحزز بيليه الأهداف، لكن ليس هذا كل شيء، فالجنود والقادة العسكريين من الحكومة والانفصاليين ذهبوا معاً إلى المدرجات ليشاهدوا بيليه، ولهذا كتب بيليه في مذكراته أنه فخور بوقف الحرب في نيجيريا، وحقن الدماء في الحرب الأهلية النيجيرية، أو ما كان يطلق عليها «حرب بيافرا»

ديمقراطية سقراط

ذات يوم من الأيام قال لاعب البرازيل الشهير سقراط: «لن أبادل ديمقراطيتي بأي كأس عالم»، وهي تعكس رؤية سقراط بأن اللاعبين الموهوبين أمثاله، وأمثال بيليه يمكنهم من خلال مشاركتهم في بطولات كأس العالم وتأثيرهم العابر للحدود في أن يلعبوا دوراً حاسماً في دعم شعبهم بجانب دورهم في كرة القدم، وكان سقراط طبيباً بجانب موهبته في كرة القدم، كما كانت عائلته توصف بأنها عائله مثقفه، وكان سقراط يرفض المعاناة التي يعانيها شعبه منذ تولى الحكم الديكتاتوري حكم البرازيل عام 1964، من هنا فكر سقراط عندما أصبح نجماً وقائداً لنادي كورينثيانز في مدينة ساو باولو أن يؤدي دوراً سياسياً لخدمة بلاده وشعبه عبر تأسيس ما سمي ب«الديمقراطية الكورينثيانزية»، وهي حركة كروية سياسية تهدف إلى مساندة بلاده للتحول إلى الديمقراطية الكاملة، وبدأ هذه الحركة في ناديه قبل أن يقود بلاده في مونديال كأس العالم في إسبانيا عام 1982، وكان عمره وقتها لا يتجاوز 28 عاماً، ، واستفاد سقراط الذي كان يطلق عليه «الدكتور سقراط» من شعبيته الكروية للترويج لحركته الثورية الديمقراطية السلمية، وكلما زادت شهرة ونجاح سقراط في عالم كرة القدم كان يتم تسليط الضوء على أفكاره السياسية حول ديمقراطية كورينثيانزية، وعندما قاد بلاده من جديد في مونديال 1986 في المكسيك كانت أفكاره حول «الديمقراطية الكورينثيانزية» ضمن أكثر الأسئلة التي توجه له خصوصاً أنه أمضى عاماً للعب في نادي فورنتينا الإيطالي، وهو ما جعل رؤيته السياسية تحت أضواء الصحافة الأوروبية، ورفض سقراط توظيف كرة القدم ك«مخدرات شعبية» ضد شعبه، وكان دائماً يقول إنه لا يريد أن يتكرر نموذج مونديال المكسيك عام 1970 عندما استغل الحاكم الديكتاتوري إميليو ميديسي الفوز الأسطوري للبرازيل بمونديال المكسيك من أجل قتل آلاف من البرازيليين، ورفع ميديسي وقتها شعار أن حب النظام السياسي مرتبط بحب الوطن، وهي السنوات التي عرفت ب«سنوات الرصاص» في البرازيل

فريق ألمانيا الشرقية في كأس العالم 1974

فريق ألمانيا الشرقية في كأس العالم 1974

الملاعب مقابل الخنادق

في 2 إبريل عام 1982 حاولت الأرجنتين إستعادة «جزر فوكلاند» بالقوة من الجيش البريطاني، لكن محاولتها فشلت بعد 74 يوماً من الحرب، وقُتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً، وهُزم جيش الأرجنتين في هذه المواجهة التي تركت جرحاً غائراً في كبرياء الشعب الأرجنتيني، حيث ترى بوينس أيرس أن جزر الفوكلاند أراضٍ أرجنتينية منذ عام 1813، بينما تقول بريطانيا إن 99.8% من شعب الفوكلاند يؤيدون البقاء تحت العلم البريطاني منذ أن سيطرت بريطانيا لأول مرة على الجزر عام 1833، وتحولت الهزيمة العسكرية إلى سخط أرجنتيني على كل ما هو إنجليزي، وعملياً هناك تفوق عسكري بريطاني مدعوم من الولايات المتحدة وحلف «الناتو»، ولهذا لا يمكن للأرجنتين أن تستعيد جزر فوكلاند عسكرياً، وهو ما جعل «كرة القدم»- وهي الساحة التي تتفوق فيها الأرجنتين، وهي «المتنفس الوحيد» الذي يمكن للأرجنتينيين الانتصار فيه على بريطانيا، وكانت المواجهة الكروية في مونديال المكسيك بين المنتخبين الإنجليزي والأرجنتيني في ربع نهائي كأس العالم 1986 أول لقاء بين الفريقين بعد حرب الفوكلاند، ولهذا كانت هذه المباراة بمنزلة مواجهة عسكرية، حيث قال لاعبو الأرجنتين إنهم يسعون إلى الانتقام لإخوانهم الذين سقطوا في حرب الفوكلاند، وشهدت هذه المباراة التي فازت فيها الأرجنتين 2-1 إحراز اللاعب دييجو مارادونا هدفاً بيده في مرمى الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون، واعتبر الجمهور الأرجنتيي أن الهدف هدية من الله «لتحقيق العدالة للشعب الأرجنتيني، وعند سؤال الجماهير الأرجنتينية بأن هذا الهدف يعد نوع من «السرقة الكروية» كان رأيهم أنها سرقة، لكنها «سرقة مشروعة» بعد سرقة بريطانيا لجزر فوكلاند وزرع مواطنين ليسوا من الجزيرة للتصويت لصالح البقاء مع بريطانيا، بحسب الرواية الأرجنتينية، وفي المذكرات التي كتبها مارادونا بعد ذلك قال: الطبيعي أن تكون كرة القدم بعيدة عن السياسة، لكن هذه المباراة كانت بمنزلة حرب لنا.

وفي مونديال 1998 تكرر العنف بين المنتخبين الإنجليزي والأرجنتيني في الدور 16، ما أدى إلى طرد أسطورة إنجلترا ديفيد بيكهام عندما تدخل بقوة ضد لاعب الأرجنتين دييجو سيموني، وعندما فازت الأرجنتين بضربات الترجيح في هذه المبارة شهدت المدن الأرجنتينية فرحة وصخباً خاصاً، لأن الفوز جاء على من يحتلون جزر الفوكلاند، بحسب التعبيرات الأرجنتينية.

قائد ألمانيا الشرقية والغربية قبل مباراة مونديال 1974

قائد ألمانيا الشرقية والغربية قبل مباراة مونديال 1974

بافانا بافانا

أثبت مونديال كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا قدرة كأس العالم على تغيير الصورة النمطية لجنوب إفريقيا التي ظلت تعاني التفرقة العنصرية لسنوات طويلة، لكن دعم المواطنين السود والبيض معاً لمنتخب «بافانا بافانا» أكد للعالم من جديد قدرة جنوب إفريقيا على التعايش بين البيض والسود تحت مظلة واحدة، وعلم واحد، ومنتخب كروي واحد، ففي هذا المونديال الذي فازت به إسبانيا بعد تغلبها في المبارة النهائية 1-صفر على الطواحين الهولندية أكدت جنوب إفريقيا أنها فضت العلاقة تماماً مع التفرقة العنصرية والصراعات الداخلية، وباتت دولة حديثة في القارة الشابة.

مباراة الأشباح

بدأت «الحرب الباردة» بين المعسكر الشرقي «بقيادة الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة في 12 مارس 1947 بعد خطاب الرئيس الأمريكي هاري ترومان الذي أعلن فيه «مبدأ ترومان» و«خطة مارشال» لدعم أوروبا الغربية للوقوف ضد الشيوعية، لكن هذه الحرب انتقلت سريعاً إلى مونديال كرة القدم بعد أن اعترضت إنجلترا على مشاركة كوريا الشمالية التي تأهلت للمشاركة في مونديال إنجلترا 1966، وقالت لندن وقتها إنها لن تسمح لدولة شيوعية موالية للاتحاد السوفييتي بأن ترفع علمها في قلب العاصمة البريطانية، لكن الحكومة البريطانية تراجعت أمام إصرار الاتحاد الدولي على مشاركة كل الدول التي تأهلت بدون أي استثناء، وبعدها بسنوات قليلة رفض الاتحاد السوفييتي أن يرسل فريقه لكرة القدم للمشاركة في مباراة لكرة القدم في تشيلي، وذلك لأن الولايات المتحدة قبل هذه المباراة دعمت انقلاباً عسكرياً قام به الجنرال أوجستو بينوشيه ضد الرئيس الشيوعي سلفادور أليندي، حليف الاتحاد السوفييتي، وقالت موسكو إنها لن تشارك في هذه المباراة التي كان مقرراً لها في 21 نوفمبر 1973، لأنها سوف تجرى على أرض ملعب «استاد ناسيونالي» بالعاصمة سانتياجو، وهو الملعب الذي جرى فيه تعذيب اليساريين والشيوعيين، وتحويل مدرجاته إلى زنازين لنحو 40 ألفاً من السجناء اليساريين، ووصفت أرضية الملعب بأنها ملطخة بدماء الوطنيين، بحسب الرواية السوفييتية، ولهذا اضطر الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» إلى إرسال بعثة تقصي الحقائق إلى تشيلي، وخرجت البعثة بتقرير ينفي الرواية السوفييتية، وهو ما دفع الاتحاد السوفييتي للانسحاب من التصفيات، ولهذا اعتبره «فيفا» بمنزلة الخاسر وفوز تشيلي، لكن الزعيم التشيلي أوغستو بينوشيه أراد أن يعطى فوزه السياسي في هذه الأزمة دعاية وترويجاً وصورة يتذكرها العالم عندما أصر أن تجرى المباراة بشكل رمزي، وبالفعل في 21 نوفمبر 1973 شهد العالم ما أطلق عليها «مباراة الأشباح»، عندما نزل لأرضية الملعب 11 لاعباً من تشيلي وسط آلاف الجماهير، وبالطبع لم يكن هناك فريق على الجانب الآخر، لكن الحكم أطلق صفارة البداية، وتبادل اللاعبون التشيليون الكرة فيما بينهم، وبعد ذلك تقدم «كابتن» قائد الفريق التشيلي بالكرة، وسجل هدفاً رمزياً في مرمى فريق الاتحاد السوفييتي، وبعد 30 ثانية فقط أعلن الحكم نهاية المباراة، وصعود تشيلي إلى مونديال كأس العالم في ألمانيا الغربية عام 1974، والذي شهد احتكاكاً سياسياً غير مسبوق في مونديال كأس العالم عندما تأهلت ألمانيا الشرقية التابعة لحلف «وارسو» بقيادة الاتحاد السوفييتي إلى النهائيات، والأكثر إثارة أن ألمانيا الشرقية وقعت في نفس المجموعة التي وقعت فيها ألمانيا الغربية الموالية لحلف «الأطلسي» بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت المباراة مشحونة سياسياً.

ماردونا في طريقة لمرمى المنتخب الإنجليزي

ماردونا في طريقة لمرمى المنتخب الإنجليزي

نعمة ونقمة

يدرك الجميع أن كرة القدم باتت «أيقونة العالم» التي ينسى فيها وبها جراحه ومشاكله، لكن في نفس الوقت يمكن أن تكون كرة القدم عنصراً للحشد والتعبئة السياسية ليس فقط للحكومات والأنظمة السياسة، لكن أيضاً بالنسبة للتنظيمات الإرهابية والمجموعات الظلامية التي تعمل على تجنيد الشباب في صفوفها عبر التغلغل في أندية كرة القدم، فعلى المستوى الدولي حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فوز بلاده بتنظيم كأس العالم مع كندا والمكسيك، ويتذكر الجميع تهديدات الرئيس الأمريكي للدول التي لن تصوت لصالح الملف الأمريكي الكندي المكسيكي، وأنه سوف يقطع المساعدات والمنح عنها، ويعاقب كل من يختار المغرب التي كانت تنافس الملف الأمريكي، وأثمر هذا التهديد عن الإعلان يوم 13 يونيو 2018 بفوز الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك بتنظيم كأس العالم 2026 ب 135 صوتاً مقابل 65 صوتاً فقط للمغرب.

**************

الحقيقة التي لا تقبل النقاش.. هي أن أسرار المونديال لا يمكن حصرها، وألاعيب السياسة لا تتوقف ولا يمكن وقفها، بل إنها تتفوق في خططها وأهدافها على مهارات نجوم العالم التي شاهدناها ونشاهدها في مونديال الساحرة المستديرة.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً