نادية البلوشي.. سحر الألوان يعانق الذاكرة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

11 يوليو 2026 19:54 مساء
|

آخر تحديث:
11 يوليو 20:04 2026

نادية البلوشي

نادية البلوشي


icon


الخلاصة


icon

لوحة «شمسة» لنادية البلوشي توثق التراث الإماراتي: فتاة بزي تقليدي وصقر يرمزان للهوية والفخر، مع تباين لوني يبرز الذاكرة والوقار

يعد الفن التشكيلي الذي يصور المشاهد التراثية واحداً من أحد أهم المسارات الجمالية التي تحفظ الذاكرة الثقافية للحضارات، وعندما يقوم الفنان بتقديم قراءة فنية معاصرة لهذا التراث، فإنه فعلياً يقوم باستدعاء رموزه وملامحه وأزيائه، ثم يقدم هذا داخل لوحة تشكيلية تبعث الروح من جديد في هذا الإرث، الذي يعد أساساً منظومة كاملة من القيم والذائقة والهوية.
في التجربة التشكيلية الإماراتية، نجد التراث حاضراً دائماً للتعبير عن خصوصية الإنسان الإماراتي وقيمه وهويته ورؤيته للمستقبل.
ومن هنا تأتي أهمية التوثيق الفني التشكيلي، الذي يحفظ المظاهر الخارجية للتراث، ويحفظ الإحساس المرتبط به، من الحشمة، الى الفخر، وعلاقة الإنسان وتفاعله مع بيئته في برها وبحرها.
بهذا المعنى، نتأمل اليوم لوحة الفنانة نادية البلوشي بعنوان «شمسة»، التي تستدعي فيها صورة الفتاة الإماراتية في زيها التراثي، كرمز للهوية والأنوثة والقوة الهادئة، حيث تقع العين على مشهد وجداني لشخصية أنثوية، جالسة في وضعية تجمع بين السكون والهيبة، وجعلت الفنانة هذه الفتاة تحتل مركز التكوين، يرافقها على ذراعها اليمنى طائر «الصقر»، الذي يمثل في الفن التشكيلي الخليجي أيقونة بصرية تعكس الهوية العربية، فالصقر يرمز إلى الفخر، والحرية، والشموخ، ووجوده على يد الفتاة يمنحها حضوراً قوياً، ويجعلها أقرب إلى صورة الحارسة لذاكرة المكان، أو الابنة التي تحمل في ملامحها تاريخاً كاملاً من العلاقة بين الإنسان والبيئة.

* ثبات

تظهر الفنانة حرفية عالية في بناء تكوين بصري دقيق ومحسوب في عناصره، فقد اختارت وضعية الجلوس للفتاة، وهي وضعية تمنح الشخصية ثباتاً واستقراراً، وتسمح بإظهار تفاصيل الزي والحلي والملامح، والعينان تتجهان نحو الصقر في نظرة هادئة ثابتة، كأن الفنانة أرادت خلق ما يشبه الحوار الصامت بين الفتاة والطائر، وكأن «شمسة» تنظر إلى الصقر الذي يرمز إلى جزء من تراثها وبيئتها، في جو يسوده الهدوء والهيبة، دون عناصر مشتتة أو تفاصيل تزيد على الحد، وإنما عملت الفنانة على توزيع بصري ولوني يجعل كل تفصيل يؤدي وظيفته.
ولعل العين عندما تقع على اللوحة يلفتها هذا الزي التراثي، الثوب الأصفر المطرز بتفاصيل من زهور بيضاء ناعمة، وعباءة أو ما يسمى في التراث المحلي بـ«السويعية» أي الغطاء الأسود المنسدل فوق الثوب، كلها قد خلقت في نفس المتلقي شعوراً بالوقار والاتزان، بينما شكلت الحلي الذهبية في الرأس والرقبة واليدين طبقة أخرى من الجماليات التراثية، وهي تفاصيل تؤكد حضور المرأة الإماراتية في صورتها التراثية الغنية، واللافت أن الفنانة منحت هذه التفاصيل عناية خاصة من خلال حركات الفرشاة فرسمتها في خطوط دقيقة وتكرارات صغيرة، وهذا أمر يكشف لنا عن صبر في التنفيذ ورغبة في توثيق التفاصيل الزي بعين محبة فخورة.

* رمز

من الناحية اللونية، يمكن للمتلقي الشعور بهذا التضاد الجمالي بين اللون بين الأصفر والأسود، الذي نفذته الفنانة ضمن رؤيتها الرمزية والتعبيرية، فكما هو معلوم فإن اللون الأصفر يرمز غالباً إلى النور والحياة والأنوثة، واللون الأسود يمنح اللوحة عمقاً ووقاراً، ورغم أن التصوير التراثي في غالبه يميل معه الفنان الى المباشرة والواقعية، الا أنه يحسن للفنانة كسر الرتابة اللونية للأسود من خلال النقاط اللامعة على القماش الأسود، التي تولد في النفس إحساساً بصرياً يحاكي النجوم المضيئة المتناثرة في السماء، وهو أمر يتوافق مع البيئة الصحراوية التراثية، ويمنح اللوحة طابعاً أكثر وداً وألفة.
اختارت الفنانة لون الخلفية باللون البني الداكن، وهو اختيار موفق أسهم بشكل كبير في إبراز الشخصية، إضافة الى منحها اللوحة دفئاً وعمقاً، فاللون البني يستحضر روح بيئة الأرض والرمال والبيوت القديمة، وهو يحيط بالشخصية كما لو أنه ذاكرة قديمة مشحونة بالعواطف، ويجعل الأصفر والذهبي في اللباس والحلي أكثر إشراقاً، وهنا يمكننا القول إن الفنانة نجحت في بناء علاقة لونية قائمة على التباين بين طبقات الألوان، ما عزز من فكرة اللوحة التي تحتفي بالفتاة الإماراتية بوصفها امتداداً لتراث عريق ضارب في التاريخ.

نادية البلوشي.. سحر الألوان يعانق الذاكرة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً